دعوة الرئيس اللبناني ميشال سليمان إلى تسليح الجيش اللبناني، أو بالأصح تقويته، خطوة تأخرت فيها الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ اتفاق الطائف التاريخي الذي أقر عام 1989.

وعلى الرغم من العواصف التي تقلّب لبنان في أتونها منذ ذلك العام وحتى اليوم، فإن الدولة القوية ظلت هي الغاية التي كان يتعين الوصول إليها سريعاً، لأنها تمثل دون ريب البديل المنطقي لبلد تختطف فيه الطوائف دور الدولة في معظم مراحل تاريخه.

يكتسب هذا أهمية مضاعفة في الحالة اللبنانية، في ظل البلطجة الاسرائيلية المستمرة ضده. لقد جاءت دعوة الرئيس سليمان، بعد الاشتباكات التي جرت بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي في بلدة العديسة، بل إن سليمان اختار مسرح المواجهة نفسه ليطلق دعوته.

لكن، إذا تمعنا جيداً في إعادة تسليح الجيش أو رفع جاهزيته، فإن المطلوب واضح. العنصر الأهم بالنسبة للجيش اللبناني في مواجهة العربدة الإسرائيلية، سيبقى في قدرات الدفاع الجوي بالدرجة الأولى.

فالجيش اللبناني يحتاج لدفاعات جوية فعالة، تردع غارات الطيران الإسرائيلي وتحيّد سلاحه الجوي، وتجعل القادة العسكريين الإسرائيليين يفكرون أكثر من مرة قبل شن غارات جوية على لبنان. لكن هذا الخيار ليس سهلًا، لأسباب استراتيجية وسياسية أكثر منها عسكرية أو متعلقة بالتمويل.

ما الخيارات المتاحة في هذا الصدد؟

لقد كان بإمكان دولة مثل فرنسا التي تعتبر علاقتها بلبنان علاقة خاصة، أن تزود الجيش اللبناني منذ سنوات بأنظمة دفاع جوي، مثل بطاريات صواريخ «كروتال» أو «ميسترال»، لكن الفرنسيين لم يفعلوا ذلك حتى اليوم. وكان بإمكان الأميركيين الذين يشددون دوماً على الحاجة لحكومة قوية في لبنان، أن يزودوا الجيش اللبناني ببطاريات صواريخ «هوك» أو حتى «ستينغر».

لقد قاموا بتزويد المجاهدين الأفغان بتلك الصواريخ التي شلت قدرات الهليوكبترات السوفيتية في حرب أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي، فلماذا يمتنعون عن تزويد جيش نظامي يعتمد أساساً أنظمة تسليح أميركية في الغالب، وفي بلد تشدد واشنطن دوماً أنها تدعم وجود حكومة قوية فيه؟

الجواب سياسي بالدرجة الأولى، والأسباب التي تمنع الأميركيين والفرنسيين وغيرهم من الدول الأوروبية، هي خشيتهم من تعديل ميزان القوى لغير صالح إسرائيل. إنه النفاق نفسه طالما تعلق الأمر بإسرائيل.

إذاً، ما البديل أمام اللبنانيين؟

قبل الحديث عن الروس وإمكانياتهم، فإن مسألة تسليح الجيش اللبناني يجب أن تكون أولوية عربية، أي بنفس المعيار الاستراتيجي الذي تتعامل به الولايات المتحدة ودول أوروبا حيال هذا الأمر، فعلى الدول العربية أن تتحرك من نفس المنطلق. التمويل هو الأساس، وثمة بلدان عربية قادرة ومستعدة لتمويل لبنان في هذا الجانب، لكن بإمكان مصر مثلاً أن تقدم نظاماً تصنعه هو بطاريات «آمون».

ومصر هنا لن تخسر شيئاً إذا ما تعلق الأمر بإسرائيل واحتجاجات إسرائيل المتوقعة، بل وحتى أي تصرف عدائي حيال مصر، فالإسرائيليون لا يملكون الكثير ليفعلوه حيال مصر أو أن يضغطوا عليها بأي شكل. وقد تكون خطوة كهذه، خطوة مهمة لتعديل الميزان الاستراتيجي أمام إسرائيل الواقعة في دائرة ضغوط كبيرة في الوقت الحاضر، مثل فترات غيرها مرت في العقود الماضية دون أن يستثمرها العرب جيداً.

كما أن الإدارة الأميركية لن تملك الكثير لتفعله أمام جيش يريد تسليح نفسه لحماية بلاده، وليس لأغراض عدوانية أو مطامع في أراضي الغير. في كل الأحوال، يتعين أن يتحول قرار لبنان بتسليح الجيش إلى أولوية عربية في الوقت الحاضر. إن جيشاً لبنانياً قوياً، قد يكون مدخلًا مهماً في تعديل ميزان القوى أمام إسرائيل، وحماية البلد نفسه الذي سيبقى عرضة للعربدة الإسرائيلية طالما بقي الجيش اللبناني ضعيفاً.

ماذا تبقى من خيارات؟

ليس هناك سوى باب أخير هو روسيا. إذا كان هناك قرار لبناني وعربي واضح وقوي، فلن يكون هناك أفضل من روسيا، والخيارات هنا كثيرة ومتنوعة. لكن لهذا القرار تبعات يتعين إدراكها حتماً.

فمن المؤكد أن الأميركيين سينظرون إلى تحول كهذا بعين الريبة، بل والاستياء، فنظام الدفاع الجوي الروسي قد يكون مدخلاً لتغيير في نظام تسليح الجيش اللبناني، المعتمد حالياً على نظام تسليحي غربي وأميركي في الغالب. يعتمد الأمر على ردة الفعل الأميركية حيال سيناريو من هذا النوع. وإذا ما أضيفت إلى ذلك رغبة لبنانية في تقوية سلاح الجو اللبناني بمقاتلات روسية، فإننا سنكون بلا شك أمام انعطاف استراتيجي.

أمام سيناريو مثل هذا، سنستعيد بلا شك حدثاً تاريخياً مماثلًا، هو صفقة الأسلحة التشيكية التي أبرمها الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر عام 1955، بعد تلكؤ الأميركيين في تزويده بطلباته من السلاح. لكن علينا أيضا إدراك أن تلك الصفقة كانت مدخلاً لمنعطف استراتيجي غير وجه المنطقة.

كما أن علينا أن نتوقع استعادة تاريخية مماثلة، اذا ما سار سيناريو تسليح الجيش اللبناني المفترض نحو امتلاك أنظمة دفاع جوي قوية. فإلى الجهد السياسي (والاستخباراتي أيضاً) المحموم الذي ستبذله إسرائيل لمنع أي صفقات محتملة والضجيج الذي ستملأ به العالم، علينا أن نتوقع غارات على الأراضي اللبنانية وإنهاكا للجيش اللبناني، تماماً مثلما جرى في سبعينات القرن العشرين الماضي، ضد حائط الصواريخ المصري.

أما الوسائل فهي عديدة ومتنوعة. هل سيصبح تسليح الجيش اللبناني مدخلاً لمنعطف استراتيجي مثلما يفترضه السيناريو آنف الذكر، أم أنه لن يرتقي إلى هذا المستوى؟ أمر يصعب التكهن به، خصوصاً في بلد مثل لبنان، رغم أن كل الظروف مهيأة لان يكون خياراً واقعياً ناجحاً، لبنانياً وعربياً.

كاتب وصحافي بحريني

mfadhel@batelco.com.bh