أن تمارس دولة من الدول حقها السيادي على أرضها بما يضمن لها استقرارها وأمنها، فهذا أساس منطقي لا يقبل الجدل ولا الأخذ والرد، وأن تكون الإمارات حريصة على مكتسباتها ورفاهية أبنائها تحت مظلة الأمن واليقظة.

فهذا واجب أصيل تحترمه كل مواثيق حقوق الشعوب، ولا يقبل التشويش أو التشويه، وأن تعتبر الدولة أن الحضارة والتقنية ومنجزاتها وتفريعاتها على اختلاف حدودها وتطورها، ما هي إلا لخدمة الإنسان والمجتمع والسيادة والأمن القومي، فهذا مدار قيام الأمم وبقائها وتطورها.

أما ما يستعصي على الإحاطة، فهو أن تتحول ممارسة هذه الحقوق والمنطلقات والأساسيات الدولية، إلى بُعدٍ يُعطي دقائق الأمور حجماً أكبر من حجمها، وينفخ فيها لتغدو فقاعة توهم بالاعتداء على حقوق الإنسان وقمع الحريات ومعاداة التطور والحضارة.

هذه باختصار بعض الظلال التي ألقتها أزمة البلاك بيري وتعليقها في بعض الدول ومنها الإمارات، كحق سيادي دولي تعرف الدولة فيه موارد اتخاذ القرار ومصادر الانطلاق نحو ما يخدم المصلحة العامة واستقرار المجتمع.

فحين تبادر دولة كبرى مثل الولايات المتحدة الأميركية، يربطها بالإمارات تاريخ من العلاقات الدبلوماسية الوطيدة المبنية على تبادل الثقة والمعرفة التامة بفضاء الحريات، والنظرة العالمية في الإمارات المرتكزة على مواكبة ما يخدم نهضة الإنسان والدول والأمم، حين تبادر إلى إبداء «خيبة الأمل» لقرار الإمارات تعليق بعض خدمات البلاك بيري.

وتعد هذا القرار «سابقة خطيرة» ويفاقم التعامل مع القضية، حتى يعتبر الأمر تعدياً على «عنصر مهم من عناصر الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحرية المعلومات وتداولها في القرن الحادي والعشرين»..

نقول: حين تبادر دولة بحجم أميركا إلى وضع المسألة في هذه الخانة الجائرة، تتناسى أبسط أساسيات التعاملات الدولية والعلاقات بين الشعوب والدول، وهي كما ألمح يوسف العتيبة سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة «مخيبة للآمال، وتتناقض مع توجه الحكومة الأميركية نفسها في ما يتعلق بتنظيم الاتصالات الهاتفية».

مؤكداً أن الإمارات تطالب «بالالتزامات التنظيمية نفسها، وبانتهاج نفس أسس الإشراف القضائي والتنظيمي التي تمنحها الشركة المشغلة لبلاك بيري للحكومة الأميركية والحكومات الأخرى، لا أكثر ولا أقل»، في ضوء أن هذا القرار هو قرار سيادي لدولة الإمارات قبل كل شيء تنطلق في اتخاذه نحو حماية الأمن الوطني ومساعدة أجهزة حفظ القانون.

ومع ذلك نرى أن النضج السياسي في الدولتين كفيل بأن يهمش مثل هذه التأويلات المتسرعة، ويضع المسألة في سياقها الحقيقي الواقعي والموضوعي، بحيث لا تأخذ أكبر من حجمها، ولا تؤثر في تاريخ من العلاقات أرسته سنوات من تبادل الثقة.

وعلى الضفة الأخرى من القضية، وهي ما يتصل بالصدى الاجتماعي لقرار تعليق بعض خدمات البلاك بيري، فإن ما يستغرب هو تعامل بعض الأشخاص مع المسألة في دائرته الضيقة الخاصة، ولا ينظر إليها في إطارها الوطني والقومي الكبير، وكأننا نعيش في جزر شخصية معزولة لا يهمنا ما يطرأ على المجتمع أو ما يتهدده أو يشكل أي خطر على أفراده.

فالقرار كما ترى الهيئة العامة لتنظيم الاتصالات جاء لضمان الحماية لسرية معلومات ما لا يقل عن 500 ألف مشترك بالدولة، ولتجنب أي عواقب خطيرة على الأمن الاجتماعي والقضائي والأمن الوطني، ولا علاقة لها من قريب أو بعيد بقمع الحريات، وهو الشيء الغريب عن فلسفة قيام دولة الإمارات البلد المفتوحة أبوابه للجميع لينهلوا من خيره ويسهموا في بنائه ما داموا حريصين على مكتسباته ومنجزاته الحضارية التي بنيت بسواعد أبنائه والغيورين على مكانته.

وما يثير الاستغراب أن مثل هذه الاتهامات لم تصدر أغلبها من مستخدمي هذه الخدمة، بل على العكس، أكدت دراسة قامت بها شركة «إنتجرل ريسيرش» إلى أن 75% من مستخدمي خدمات «بلاك بيري» أبدوا قلقهم إزاء تخزين بياناتهم من شركة خارج الدولة، وأن 58% من مستخدمي الخدمة متخوفون كونهم لا يملكون الحق القانوني لمقاضاة من يخترق خصوصياتهم، وهو مؤشر وعي ثقافي لدى المواطنين بأهمية الربط بينهم وبين شبكة الاتصالات المحلية.

وحين نتكلم عن حرية التعبير والحريات الشخصية في الإمارات نستنطق واقعاً يشهد بمصداقية عمق جذور هذه الشجرة المباركة في هذا البلد، ويدلل عليها التئام شمل أكثر من مئتي جنسية على مساحة الوطن على اختلاف معتقداتها وتوجهاتها ولغاتها وأعراقها، فهي حقيقة اجتماعية واقعة.

لا نحتاج إلى رصف الكلمات لإثبات امتدادها في عمق الزمان وعرض المكان، ولا نحسب أن الإمارات تحتاج إلى من يرفع عنها هذه التهمة، إذ إنها لم تكن ولن تكون في يوم من الأيام في قفص الاتهام، ولن تنال منها فقاعات تشوش الأعين والأسماع ثم لا تلبث أن تذهب أدراج الرياح.

مديرة تحرير مجلة «بنت الخليج»

nooraalswidi@yahoo.com