بغض النظر عن بوادر الجدل في المحكمة الدولية التي تقوم بمحاكمة قتلة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري ، وما يتردد حول قراراتها الظنية ، وما أعلنه الأمين العام لحزب الله الشيخ حسن نصر الله من قرائن تدل على تورط إسرائيل في عملية الاغتيال ، فإنه من الأهمية بمكان التوقف أمام واحد من أبرز التطورات التي تشهدها الساحة اللبنانية خلال هذه الفترة، ونعني به الجهود المبذولة من جانب الحكومة اللبنانية من أجل دعم الجيش اللبناني.
وإذا كان من غير الممكن – خاصة في ظل الخبرات التي تعرضت لها الساحة اللبنانية على امتداد السنوات الأخيرة - التغاضي عن ما يمكن أن يقود إليه الجدل أو بالأحرى المواقف المختلفة والمتعارضة من محكمة قتلة الحريري، وما قد تصدره من أحكام يرفضها هذا الطرف أو ذاك ، فإنه يمكن القول :إن الجيش اللبناني الذي تصدى بشجاعة وبقوة للتجاوزات الإسرائيلية في المناطق الحدودية قبل عدة أيام ، يستحق - ليس فقط المؤازرة في قيامه بمهامه وواجباته الوطنية في حماية الأراضي والسيادة اللبنانية - ولكنه يستحق الدعم والمساندة المباشرة وغير المباشرة من أجل توفير كل احتياجاته الدفاعية العملية من ناحية ، والمساندة القوية المعنوية والسياسية من ناحية ثانية لكي يتمكن من القيام بدوره في وقف أية تهديدات أوعدوان إسرائيلي ضد الأراضي اللبنانية.
صحيح أنه ليس مطلوبا من الجيش اللبناني أن ينجر إلى مواجهات أو فخاخ تنصبها له القوات الإسرائيلية ، ولكن الصحيح أيضا أن هناك - الآن - في لبنان روحاً جديدة وعزماً واضحاً على أن يقوم الجيش اللبناني بدوره في حماية الأراضي اللبنانية ، بغض النظر عن التضحيات ، وهو ما أكد عليه الرئيس اللبناني العماد ميشيل سليمان قبل أيام.
وفي هذا الإطار فإن تماسك الجبهة الداخلية اللبنانية ، واصطفاف كل القوى اللبنانية ، على اختلاف مشاربها وتوجهاتها ، خلف الجيش اللبناني، وتهيئة أفضل مناخ داخلي يسمح للجيش بالتفرغ للقيام بمهامه ، يعد أمراً بالغ الأهمية في هذا المجال.
وإذا كان الجدل المسبق ، أو المواقف الوقائية حيال ما قد يصدر عن محكمة قتلة الحريري من أحكام يمكن أن تسبب نوعا من الترقب أو التوجس حيال ما قد يحدث من ردود فعل هذا الطرف اللبناني أو الإقليمي أو ذاك ، فإن الالتزام بالحفاظ على استقرار الأوضاع الداخلية اللبنانية ، والتمسك بقوة بصيغة التعايش المشترك هو ما يحتاجه لبنان الآن وخلال الفترة القادمة ، ربما أكثر من أوقات كثيرة مضت ، وذلك لأن التهديدات الحالية المحيطة بلبنان أكبر مما قد يتصوره كثيرون.
ومع المراهنة على حكمة القيادات السياسية والدينية والطائفية اللبنانية ، وعلى انحيازها إلى المصلحة الوطنية اللبنانية ، والحفاظ على الاستقرار في لبنان الشقيق ، فإن ما أعلنه وزير الدفاع اللبناني مؤخرا من إنشاء صندوق لدعم الجيش اللبناني ، وهو صندوق مفتوح لمن يتبرع من اللبنانيين لتمويل احتياجات الجيش اللبناني ، هو في الواقع خطوة تنطوي على دلالات مهمة فيما يتصل برغبة الحكومة اللبنانية في السير بكل السبل الممكنة ، بما في ذلك الدعم الشعبي ، لبناء وتعزيز قدرات الجيش اللبناني.
وإذا كانت هذه الخطوة قد جاءت في أعقاب تلويح بعض النواب الإميركيين المرتبطين بإسرائيل بعرقلة المساعدات الإمريكية للجيش اللبناني، فإن مناشدة وزير الدفاع اللبناني الأشقاءَ والأصدقاءَ بالإسهام في تسليح الجيش اللبناني، ودون شروط ، هو أمر مهم أيضا فيما يتصل بتسليح الجيش اللبناني، وهو ما ستتعامل معه الحكومة اللبنانية، بالقطع، وفق ما يخدم مصالح لبنان الوطنية الآن وفي المستقبل، وبما يعزز في النهاية لبنان حكومةً ودولةً ومجتمعاً.
