على الرغم من تنامي أعداد المتعلمين والمثقفين في المجتمع المحلي، ممن يتوقع منهم الوعي بما يقومون به من سلوكيات، إلا أن الواقع يخذلنا عندما يكشف عن حقائق تظهر تراجع الوعي المطلوب، وتؤكد أن تأثير التعليم والثقة يبقى محدودا في نطاقات ربما تبتعد عن حياة الأفراد.
مناسبة حديثنا هذا، مقال نشرته صحيفة أجنبية عن حجم النفايات المتكونة من الغذاء في شهر رمضان المبارك. فالمقال يشير إلى أن 500 طن من الغذاء تنتهي في سلال القمامة، خلال شهر رمضان فقط من كل عام.
وقال مسؤولون في هيئة البيئة في أبوظبي إن ما يدعوهم للقلق من هذا الرقم، لا يكمن فقط في كمية الأغذية التي يتم رميها واستنفاد الموارد الثمينة التي تستعمل في تنمية وتصنيع وتوزيع تلك المواد، مثل الطاقة والمياه والتغليف، لكن أيضا بسبب الأثر البيئي لتلك النفايات.. فالمخلفات الغذائية تولد الميثان وغيره من الغازات الدفيئة مع وصوله للمكبات.
وإذا كان الخبراء والمهتمون بشؤون البيئة قلقون من الأثر البيئي لتلك النفايات، فإن قلقا أكبر يساورنا في هذا الشأن، وهو خوفنا من أن يأتي يوم نحتاج فيه لهذه الأطنان فلا نجدها، بسبب الأفراد الذين يؤكدون في كل رمضان على أنهم لا يقدرون النعمة حق قدرها، ولا يكترثون بأموال تنفق فيها، فلو كان الأمر خلاف ذلك لما تسببوا في وجود هذه الأطنان من النفايات، التي قد يكون غالبيتها صالحة لإطعام آلاف الأسر التي يكفي الشخص فيها 500 غرام فقط من أصل 500 طن.
الرقم مخيف وقد يفوق ما أشير إليه في المقال بكثير، ولا عجب في ذلك، لا سيما ونحن نسمع عن تهافت الناس على الجمعيات، وتعاركهم اليومي على تبضع ما يحتاجون إليه وما لا يحتاجون إليه. بينما يواجه الشعب الذي تربطنا به رابطة الدين والإنسانية، كوارث مدمرة بسبب الفيضانات غير المسبوقة.
حيث إن نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون يتعرضون لخطر مياه الشرب الملوثة، ناهيك عن تشرد الآلاف وبقاء الملايين جوعى بلا مساكن في تلك البقعة وفي غيرها من بقاع الأرض. فإذا كان هذا حال بعض البشر، فكيف نستبيح رمي هذه النعم وتحويلها إلى نفايات، وكأن لا أحد في العالم بحاجة للمواد التي تصنع منها أو للأموال التي تنفق فيها؟!
فإلى متى نظل أعداء أنفسنا بالاستهلاك السلبي والإنفاق غير المقنن، والاستهتار الذي يزيد إخفاقاتنا ولا يسهم في رقينا؟ إذا كنا أصحاب نعم ولدينا فائض أموال، فيفترض أن نستثمر تلك الأموال في دعم ومساندة محتاجين، بدل تحويلها لنفايات تجر وبالا ماليا وضررا بيئيا علينا قبل أي أحد آخر، لأننا لم نحفظ النعمة ولم نصنها.
maysarashed@gmail.com
