يموج العالم العربي منذ فترة، بحملات وحملات مضادة، للسيطرة على عملية تدفق المعلومات والانفتاح غير المقيد على العالم. وفي حقيقة الأمر، يعيش العرب والمسلمون معركة العولمة على مستوى الواقع والحياة اليومية، فالعولمة ليست مجرد كم من النظريات الكبرى التي تناقش في المؤتمرات والندوات وفي أجهزة الإعلام المختلفة.
العولمة تعني، بتعريف مبسط، سقوط الحدود الفاصلة بين الثقافات وانعدام المعوقات التي تحول دون التدفق السلس والمستمر للمعلومات والأفكار.
وهذا يعني قدراً كبيراً من الحريات والحقوق والضمانات لكل البشر، وهو مدخل لقيام حضارة عالمية ذات طابع إنساني، يتساوى فيها جميع البشر بحسب ترسيخ مبدأ قبول الآخر. ومن أمثلة هذه الحريات: حرية حركة البشر، وحركة رأس المال، وحركة المعلومات والأفكار.
ومع وجود قصور عملي في تحقيق هذه الحريات، إلا أنه قد تم تثبيتها وإقرارها في مواثيق وعهود حقوق الإنسان العالمية التي وقع عليها معظم الدول المستقلة. أما الحقوق فتتمثل في حق الوصول إلى المعلومات، وهذا حق إنساني أصيل مثبت في قلب كل المواثيق العالمية.
وحق التعبير، وحق العقيدة أو المعتقد، وحق التنظيم وتشكيل الأحزاب والنقابات والاتحادات الطوعية، طبعاً حسب ظروف وتطور كل بلد إذ لا يوجد نموذج عام، ولكن يبقى المبدأ هو العام. أما الضمانات، فيفترض أن تثبت الدول المختلفة هذه الحقوق والمبادئ في دساتيرها وقوانينها ومراسيمها المحلية، بوضوح ودون لبس.
هذا هو الوضع الذي فرضته ظروف العولمة، وكوننا نعيش على هذا الكوكب الواحد، جغرافيا، وفي القرن الحادي والعشرين، زمنياً؛ فإنه لا فكاك لنا من أن نكون جزءاً من المكان والزمان: وهل يخرج الإنسان من حكم ربه؟ وهذا لا يعني الذوبان الكامل في هذه الحضارة الجديدة، لأن أهم مميزاتها ـ كما تقول أدبيات اليونسكو ـ هو عالمنا المتنوع.
فقد جاء إليها كل بثقافة تحمل سهمها ومشاركتها، مهما كانت صغيرة ومتواضعة. فالحركة في العولمة ليست ذات اتجاه واحد، بل من كل الاتجاهات، رغم حديث البعض عن الهيمنة السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية. ولكن لنا في التاريخ درساً مميزاً، فقد هزمت روما القوية حربياً أثينا، ولكنها تبنت حضارياً ما وجدته في أثينا المهزومة عسكرياً.
قصدت من هذا تجاوز عقد النقص والخوف من الآخر، خاصة وقد أصبحت العولمة قدرا وقضاء، ونتمنى من الله اللطف فقط في التعامل، لأن ردها صار صعباً بعد ما نعيشه الآن. وفي رأيي المتواضع، أن نقوم بصياغة معادلة تتطلب أن نكون نحن (الخصوصية)، وأن نكون في نفس الوقت جزءاً أصيلاً من هذا العالم. وهذا يعني أن نتعامل جدلياً مع التاريخ والواقع، نعرف ماذا نأخذ وماذا نترك، حسب قول العقل وضرورات الحياة.
ولكننا ـ للأسف ـ ما زلنا بعيدين عن هذه المعادلة، تائهين متخبطين غير قادرين على التكيف، وبالتالي على الانجاز واللحاق بالعصر. وبقينا خارج التاريخ، لأننا نعيش في زمنين متناقضين: فلكياً في القرن الحادي والعشرين، وذهنياً وحضارياً في القرن العاشر في أحسن التقديرات. وهذا الفوات التاريخي هو مشكلتنا الحقيقية والذاتية، أي التي خلقناها نحن بأيدينا، دون ذنب للآخرين فيها كما ندعي دوماً.
قام بعض الدول الإسلامية والعربية خلال الأسابيع الماضية ب«انتفاضة» ضد مظاهر العولمة، وبالتحديد ضد عالم الفضاءات المفتوحة كأحد تجلياتها المخيفة والخطيرة. فقد تحول الحديث المستمر عن مخاطر العولمة أخيرا، إلى إجراءات وقرارات لوقف هذه الأخطار أو المهددات. ومنذ فترة قامت دول بملاحقة ومحاكمة المدونين، وإغلاق المواقع، ومراقبة الانترنت، ثم حجب تصديقات الإذاعات.
وفي بعض الأحيان طرد المراسلين أو التشدد في منح تأشيرات الدخول للإعلاميين، أو تضييق تحركاتهم بعد الدخول. وهذه هي الفوبيا الحق، أي الخوف من كشف ما يدور داخل هذه البلاد. وهذا يعني أن لدى هذه البلاد ما تخجل منه ولا تريد العالم أن يعرفه.
وغالبا ما تلجأ هذه النظم الحاكمة إلى مبررات مبتذلة، مثل الحديث عن الاستهداف أو المؤامرة أو التخريب. والمعروف أن هذه الدول تنفق الكثير من المال لتجميل أو تحسين صورتها في الخارج، لكنها في كثير من الأحيان لا تهمها صورتها في الداخل!
تكمن المشكلة في غياب الحقائق والمعلومات الصحيحة، التي تبنى عليها الخطط والقرارات. وقد فقدت المصادر المحلية مصداقيتها، نتيجة الاهتمام بالدعاية على حساب الحقيقة والمعلومة الصحيحة. ولذلك، يلجأ الجميع من باحثين وإعلاميين وسياسيين، إلى المصادر الأجنبية والهيئات والمنظمات الدولية، وليس من وزارات المالية أو التخطيط أو الصحة أو التعليم الوطنية.
ويمكن القول للدول التي تتحدث عن الدفاع عن الخصوصية أو السيادة الوطنية، أنه في هذه الوضعية انتقاص للسيادة الوطنية أن يكون مصدر معلوماتي عنها هو الخارج فقط. ومع الفقر والتخلف تصبح حماية الخصوصية والهوية الثقافية والسيادة الوطنية، من المسائل شديدة الصعوبة. وذلك لأن هذه الدول ـ مجبرة ـ تسمح باختراقات كثيرة تحت تسميات مختلفة.
فهناك الخبراء الاقتصاديون والمساعدات الفنية ووكالات الاغاثة والعمل الإنساني، كما تغرق الشركات متعددة الجنسيات والعمالة الأجنبية، الدول الغنية «النامية».
تعتمد الدول الهامشية في عملية العولمة على الاستيراد وتصدير المواد الخام، وهي نظرية التبعية الكلاسيكية. ولكن التبعية لا تتوقف عند السلع، بل تمتد إلى المعرفة والعلم والتكنولوجيا. ورغم أن هذه الدول تحتاج إلى المعلومات التي يمكن الاعتماد عليها، إلا أنها تخشي الحقائق. وهناك المثل المعروف لصعوبة قياس نسبة الفقر في هذه البلدان.
وفي نفس الوقت يتحدثون عن محاربة الفقر والقضاء عليه، دون الإفصاح عن نسبه وحجمه. وينطبق نفس الشيء على وفيات الأطفال أو وفيات الأمهات، أو الأمراض المرتبطة بالتخلف والفقر مثل السل والبلهارسيا. وتختلف الأرقام في بلادنا عن بقية العالم، فالأرقام غير محايدة، بل منحازة ومشحونة ايديولوجيا، وتوظف وفق الأغراض والمصالح.
أحيانا يراودني تساؤل، كثيرا ما أحاول تجنبه: هل ننتمي إلى ثقافة تخشى الحقيقة لذلك نتجنبها؟ قد تكون ترسانة السلوكيات والقيم التي تحيط بنا، تجعلنا غير قادرين على التعايش مع الحقيقة، خاصة لو كانت عارية! فنحن نتسلح بقدر كبير من المجاملة والخجل والتملق وحب الذات (قد يسمى الكرامة والاعتداد بالنفس)، ورفض النقد (يقلل من القيمة)، والنقد الذاتي طبعاً.. وقد يكون لعلاقتنا غير الطيبة مع الفلسفة والعقل، دور في إخفاء الحقائق.
كاتب وباحث سوداني
ssc_sudan@yahoo.com
