انتقادات كثيرة وجهت منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية، للمؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد والبنك الدوليان، وذلك بسبب سياساتهما التي تم الترويج لها بشكل كبير على مدى قرابة نصف قرن مضى، ثم ثبت أنها سياسات فاشلة ومدمرة.
هذه السياسات التي كانت ترفع شعارا رئيسيا هو «رفع يد الدولة»، وهي السياسة التي تمسكوا بها مؤخرا في أزمة اليونان في مايو الماضي، وكادت أن تطيح بالحكومة وتفجر البلاد، لولا التراجع عنها أمام هبة الشعب اليوناني.
الآن ترك البنك والصندوق الدوليان كل الدول التي تعاني من الأزمة بشدة، والتفتوا لروسيا ليوجهوا لها انتقاداتهم على سياساتها المالية في الأزمة، حيث عبر المسؤولون في كلتا المؤسستين الدوليتين عن قلقهما من تزايد النفقات في الميزانية الروسية.
وأشار الخبير الاقتصادي جيلكو بوغيتيتش الذي يتولى مسؤولية الملف الروسي في البنك الدولي، إلى أن نمو التزامات الدولة الروسية نحو رعاياها ينذر بارتفاع العجز في الميزانية الروسية لعام 2010، إلى 6 .4% من الناتج المحلي الإجمالي.
ورغم ثقة خبراء البنك الدولي بأن روسيا تستطيع تمويل هذا العجز بسهولة من عائدات الصادرات، وخاصة صادرات النفط والغاز، إلا أنهم يطالبون بأن تقلص روسيا عجز الميزانية، بحجة أن أسعار النفط قد تعاود تراجعها. ويتناسى هؤلاء الخبراء أن روسيا وضعت ميزانية العام 2010 في ظل الأسعار المتدنية للنفط في العام الماضي، وأن نسبة العجز الضئيلة التي يتحدثون عنها في الميزانية الروسية، إنما جاءت نتيجة الإنفاق على استثمارات في مشاريع طاقة عملاقة لا يمكن تأجيلها بسبب الأزمة.
والغريب في الأمر أن البنك الدولي في تقريره حول توقعات العام 2010، كان قد توقع نموا في الناتج المحلي الروسي، وقد حدث هذا بالفعل، وإن كان بنسبة أقل من المتوقع، لكنه في النهاية نمو في ظل ظروف الأزمة العالمية التي توقفت فيها اقتصادات معظم دول العالم عن النمو.
الأمر لا يعدو كونه سياسة أكثر منه اقتصادا، إذ أنه من الواضح أن سياسة الحكومة الروسية في وقت الأزمة، والتي تلقى إعجابا واستحسانا من الجميع، وعلى رأسهم الشعب الروسي نفسه، لا تروق لخبراء ومديري الصندوق والبنك الدوليين، وذلك لأن هذه السياسة تضرب في الأساس أسس النظام المالي العالمي السائد طيلة أكثر من نصف قرن، هذا النظام الذي تضاعفت معه ثروات الأغنياء عشرات المرات، بينما تضاعفت معها أعداد الفقراء في العالم كله، حتى داخل الولايات المتحدة الأميركية.
لقد عبر رئيس بعثة صندوق النقد الدولي، بول تومسون عن قلقه بشأن نمو نفقات الدولة الروسية، وأعرب عن أمنيته بأن تضغط الحكومة الروسية النفقات العامة، ولكن السؤال الأساسي هنا، أين تذهب هذه النفقات العامة في روسيا التي لا يرضى عنها الصندوق؟
لقد قررت الحكومة الروسية برئاسة فلاديمير بوتين، في مطلع العام الجاري، زيادة نفقات التعليم والبحث العلمي في روسيا بنسبة أكثر من 20%، كما زادت الحكومة معاشات المتقاعدين الروس مرتين على مدى عام مضى، وقررت الحكومة تخصيص ميزانية خاصة لمكافحة البطالة، وزادت مخصصات الرعاية الصحية، ولم تقرر الحكومة إيقاف أي مشروع تنموي أو خدمي بسبب الأزمة.
ولا شك أن مثل هذه الأشياء لا ترضي المؤسسات المالية الدولية التي لا تؤمن إطلاقا برعاية الدولة للشعوب، بل حتى لا تؤمن بفكرة الدولة نفسها، وترفض تدخلها في أي شأن يقوم على الإنفاق.
والغريب في الأمر أيضا، أننا لا نسمع من خبراء الصندوق والبنك الدوليين أية انتقادات لسياسات الحكومة الأميركية في الإنفاق، هذه الحكومة التي تنفق سنويا مائة مليار دولار في حرب فاشلة بلا هدف في أفغانستان، بينما اقتربت نسبة البطالة في الولايات المتحدة من العشرين في المائة، أي خمسة أضعاف البطالة في روسيا، وبينما يقرر رئيس الحكومة الروسية بوتين زيادة ميزانية أبحاث الفضاء، نسمع الرئيس أوباما يطالب وكالة الفضاء الأميركية ناسا بإيقاف نشاطها لعدم توافر المال الكافي.
من المؤكد أن البنك والصندوق الدوليين سيكونان راضيين تماما عن الحكومة الروسية، لو وجهت ميزانيتها للحروب والتسليح وتركت شعبها للجوع والفقر والبطالة والمرض.
خبيرة روسية في شؤون الطاقة
jannamarat@km.ru