بلاد الانجماد الابدي، الممثلة دوما برمز الدب المضاد للصقيع، المجهزة شوارعها دوما بأنابيب التدفئة لإذابة ما ينجم عن عشرات الدرجات تحت الصفرية، تغلي الآن بحرائق هددت منظومات صاروخية ومواقع نووية، في ظل توقع المزيد مع ارتفاع درجات الحرارة المفاجئ.

في المقابل، يحاول الملايين في باكستان التنفس تحت الماء، منجاة من فيضانات ـ أيضا مذهلة ـ ضربت البلاد بكارثة قومية استدعت الاستغاثات الدولية.

الحالتان الآنفتان متناقضتان، لكنهما أيضا مذهلتان ومفاجئتان، تماما كبركان تفجر حمما قبل أشهر قليلة في أبرد أصقاع الأرض الايسلندية.

ما الذي يحدث بالضبط؟

على أنه لا يمكن استبعاد العامل البشري المباشر في بعض هذه الحالات كافتعال الحرائق، لكن الغالبية في الكوارث الطبيعية الحالية، لا تشير إلا إلى ظاهرة التغير المناخي أو الاحتباس الحراري، والتي هي أيضاً بفعل فاعل ولو بشكل غير مباشر تماما.. هو الإنسان، الذي تولى مقادير الأرض فعاث فيها استهتارا، ومن ثم تلقى الرد الطبيعي.

عندما يتفرغ نائب رئيس أميركي سابق بحجم البرت غور، لمكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري، تاركا فرص إلقاء المحاضرات وتأليف الكتب، ديدن المسؤولين الأميركيين الذي يدر ذهبا، فان ناقوس الخطر يتعالى أكثر، مع صرخات المغني الأميركي الراحل مايكل جاكسون: «ماذا نفعل بأمنا الأرض؟».

تسخين سطح الأرض جراء الحركة الصناعية المجنونة المعادية للبيئة، والسلوكيات البشرية المستهترة المصاحبة للجشع الرأسمالي المنفلت، كل ذلك دفع الخبراء للتحذير: بعد بضع مئات من السنين ستصل درجة الحرارة على كوكبنا الأزرق والأخضر إلى درجة الغليان، وهو ما يضع الطبيعة البشرية على المحك؛ إما التكيف مع البيئة الجديدة والعيش في درجة حرارة تماثل قيعان المحيطات، أو مواجهة مصير الديناصورات.

لكن قبل كل ذلك ألا نملك خيار قطع الطريق على هذا المحك، بتفعيل «كيوتو» وكل المواثيق الدولية الرامية إلى ضبط السلوك البشري ولجمه قليلاً، رحمة بالأرض وما عليها؟

الإصغاء قليلاً إلى رأي الخبراء قد يعطي أكله، في قضية هي أم القضايا الإنسانية المتصلة بمستقبل البشرية، فحتى الاعتناء بالأرض لا يحل معضلاتها المصيرية، لكنه على الأقل يوجد بيئة علمية مناسبة لمواجهتها. خبراء الفلك يتحدثون عن ميلان طفيف جداً في محور الأرض، هذا الميلان الذي فسر البعض على أساسه ظاهرة الطوفان الذي واجهه نوح بسفينته العملاقة، ويشيرون في هذه العجالة إلى أن الميلان نفسه يقرب الأقطاب المتجمدة من الشمس فيذيبها، ليحل محلهما قطبان متجمدان جديدان، وكمية المياه الذائبة تكفي لإغراق بلدان أحدها بحجم الصين مثلاً.

وما تتناقله الأخبار حالياً عن ذوبان جزء من كتل الجليد القطبية بفعل ظاهرة الاحتباس الحراري، يضيف مأساة جديدة إلى كارثة تغير محور الأرض ان صحت هذه الفرضية، عبر التعجيل في حدوثها، وبالتالي استبدال آلاف السنين المنتظرة بالمئات أو العشرات منها، وهو ما يعني خطراً زاحفاً على الأبواب.

لا مغانم اقتصادية ولا مكاسب سياسية، تعني أي شيء للبشري إن فقد حاضنته الأولى: الأرض، فلم العالم المتحضر جداً لاه عن هذا المصير، وهو العالم المفترض أنه حقق قفزات في الوعي، بعدما غادر سؤال الرغيف وشربة الماء النظيفة؟!

Adonis02@hotmail.com