عندما تعتذر الإدارة الأميركية عما يرقى إلى مرتبة الخطايا، قائلة إن المسؤولين فيها ليسوا جورج بوش، فإن هذا لا يعد سياسة خارجية بالنسبة إلى أميركا.
تولّى رونالد ريغان الرئاسة معتنقاً فكرة رد الاتحاد السوفييتي على أعقابه، وعلّق الآمال على أن امبراطورية الشر هذه، ستنهار بفعل عجزها عن مجاراة الولايات المتحدة المفعمة بالثقة.
وسعى بوش الأب إلى متابعة تفكيك امبراطورية الاتحاد السوفييتي، وإعادة توحيد ألمانيا، وتشكيل نظام عالمي جديد يقوده الغرب محصن ضد أية محاولات من قبل مانويل أورتيغا أو صدام حسين. أما بيل كلينتون، فقد دفع قدماً العولمة الليبرالية التي يلهمها الغرب، وانتشال العالم الثالث من الفقر.
وبعد هجمات 11 سبتمبر 2001، ركّز الرئيس بوش على إبقاء أميركا آمنة من أية محاولات إرهابية محتملة، في الوقت الذي سعى للترويج لإقامة حكومات شرق أوسطية دستورية، بهدف إضعاف قوة المنظمات الإرهابية. ولكن، ما هو بالضبط الهدف الذي يسعى الرئيس الحالي باراك أوباما لتحقيقه خارجياً؟
أكد أوباما خلال لقاءاته وخطاباته، خلفيته غير التقليدية والثقافة الإسلامية لأبيه، محاولاً بذلك إثبات أنه ليس جورج بوش، وظن أن ذلك سوف يجعل أميركا محبوبة بشكل أكبر.
ولكن دون رؤية استراتيجية، فإن القول «فعلها بوش» لن يفضي إلى شيء، أخذاً في الاعتبار أن معظم العالم كره بوش وتجاوزه. ولم يدرك أوباما أن رغبته في استمالة ود العالم لحب أميركا ما هي إلا بداية النهاية، وليس سياسة في حد ذاته. كما أن هذا النهج ينطوي على حماقة، خاصة في ظل توجهات بعض الدول في عالم اليوم.
ولا يدرك أوباما أن التوترات في النظام العالمي حالياً، عادة لا تعكس سوى الاختلافات الجوهرية بين الشعوب، وليس ضعف التواصل بينها أو الدبلوماسية. وبالتالي لا يمكن تسوية هذه الخلافات بمجرد تقديم سلسلة من الاعتذارات.
فلم نسمع، مثلًا، أن الحكومة الصينية قدمت اعتذاراً عن قتل الملايين من مواطنيها، أو الضحايا الذين سقطوا في الحروب مع جيرانها. ولم تقدم روسيا أي اعتذار عن الدماء التي سُفكت في حرب الشيشان، أو الأرواح التي أزهقت في الدول الأخرى التي غزتها وسحقتها.
كل ما تحاول الإدارة الأميركية فعله هو التوبة، كما لو كان ذلك سيحقق هدف أميركا ويجعلها المعشوق الأول في العالم.
ولكن عندما لا نتعامل بمبدأ مكافأة القوى الديمقراطية أو الموالية للسياسة الأميركية، أو بمبدأ معاقبة الأنظمة الدكتاتورية أو المناهضة للسياسة الأميركية، فإن ذلك من شأنه أن يدفع بمزيد من الاضطرابات الدولية على الطريق الصحيح الذي ينبغي للحضارة أن تمضي فيه.
وهكذا، وبعد مضي أكثر من 16 شهراً على فترة رئاسة أوباما، فقد بدأنا نلمس حالة من الفوضى الناجمة عن ضعف الرؤية الاستراتيجية لأوباما، أو حتى وجود دفاعات عن القيم التي تحملها هذه الرؤية.
ونتيجة لذلك، فإن حلفاء الولايات المتحدة، مثل كولومبيا وإسرائيل والهند، لن يعتمدوا على الدعم في صراعاتهم مع منافسيهم، في الوقت الذي سيحرض القوى الإقليمية المتشددة على الاستمرار في ممارساتها ضد الولايات المتحدة دون أية عواقب.
ففي الشرق الأوسط، تعرضت إسرائيل لاختبارات غير مسبوقة من قبل دول أخرى وحركات مسلحة، في إطار ما يبدو أنه اعتقاد بأن الولايات تخلت عن حمايتها لإسرائيل.
وحذرت كوريا الشمالية من أنها قادرة على تحويل سيؤول إلى بحر من اللهب، بينما يبدو أن اليابان لن تستطيع تحقيق الاستقرار لحكومتها. وبدأت تركيا تبدو كالدولة العثمانية القديمة، في استعراض مع الغرب أكثر من كونها حليفا في الناتو.
وتسعى تركيا مع البرازيل وروسيا، لتخفيف حدة الجهود الأميركية الرامية لوقف الانتشار النووي الإيراني. ونرى الآن الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز يهاجم وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، بنفس اللهجة التي كان يمارسها مع بوش.
وفي الحقيقة، فإننا كلما اقتربنا أكثر من إيران وسوريا وروسيا وتركيا وفنزويلا، كلما أظهر هؤلاء عداوتهم، مما يشير إلى أنهم يعتبرون أن شهامة الولايات المتحدة كيد لا بد أن يقابل بالعداء.
والصين المفعمة بالثراء، تتساءل بدورها حول جدوى أن تقوم بتمويل عمليات الإقراض القياسية التي مارستها الولايات المتحدة، في الوقت الذي يحتاج الشعب الصيني لكل هذه الأموال. ومن الواضح أننا بدأنا نسيء لأفضل وأقدم حلفائنا، بريطانيا. أما الاتحاد الأوروبي فقد دخل مرحلة التفكك، وأصبح بعض أعضائه يتشككون من نظرة أميركا لمكانتها كرائدة لها مصالح مشتركة مع أوروبا.
وعلى مدار كل هذه الأزمات، فإن التخلي عن سياسة جورج بوش وعن ملاحقة أعداء الولايات المتحدة والتسليم لكل الأصدقاء، لا تعد سياسة خارجية متسقة. بل على العكس، فما هي إلا وصفة للدمار الذي لم تشهده الولايات المتحدة منذ العام 1979، عندما حاول ريغان كسب حب العالم دون جدوى.. والجميع يعلم تماماً كيف انتهى الحال.
أستاذ الدراسات الكلاسيكية في جامعة ستانفورد الأميركية