لا يسع المرء سوى تمني التوفيق لوزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس، في ما يتعلق بمقترحاته الأخيرة للتحكم في النفقات العسكرية للولايات المتحدة، وخفضها بصورة كبيرة.
وإذا وافق الكونغرس الأميركي على هذه المقترحات، التي وضع غيتس خطوطها العريضة، وخاصة التخلص من قيادة عسكرية كاملة، وتخفيف جيش البنتاغون الموازي والمتضخم من المتعاقدين الخاصين، فهذا سيوفر ما يربو على 20 مليار دولار سنوياً، في غضون السنوات الخمس المقبلة.
وهذا مقابل ميزانية الدفاع الأميركية الحالية، التي تبلغ نحو 700 مليار دولار سنوياً، ما يعني أن عملية التخفيض لا تعتبر إنجازاً كبيراً، لكنها خطوة في الاتجاه الصحيح.
ويجادل كثيرون بأن غيتس يعتبر من أكثر السياسيين حرصاً على نفقات الدفاع، مقارنة بنظرائه من وزراء الدفاع الأميركيين السابقين، وهو يدرك تماماً أنه يتعين على البنتاغون القيام بدوره على أكمل وجه، إذا اقتضى الأمر معالجة العجز الكبير، والمزمن، في الميزانية الأميركية.
وكتلميذ نجيب في التاريخ، يدرك وزير الدفاع الأميركي تماماً، أن الهزيمة العسكرية ليست هي التي تتسبب في القضاء على القوى العظمى، بل الإسراف المالي والمديونية. ولا يوجد سبب يجعل الولايات المتحدة مستثناة من ذلك.
وحتى الآن نجا «البنتاغون» تماماً من فأس الاقتطاعات المالية في الميزانية الأميركية، وذلك بفضل تبجيل أميركا لقوتها العسكرية، وقوة اللوبي العسكري والصناعي في الكابيتول هيل، علاوة على الحاجة لتمويل الحربين المتزامنتين في العراق وأفغانستان، في الوقت نفسه.
وحتماً تطور ما يصفه غيتس بثقافة المال اللامتناهي، ولتغيير هذه الثقافة فإنه يعتزم توجيه ضربة وقائية؛ إذ سترتفع الميزانية الدفاعية العسكرية، ولكن بنسبة سنوية أبطأ.
وإذا مضت مقترحات وزير الدفاع الأميركي قدماً، فسوف يتم إنفاق مبلغ أقل على بيروقراطية البنتاغون، وستحول مصارف التمويل إلى أطراف عسكرية حقيقية، تتمثل بالجنود والأسلحة التي تخوض، في الواقع، المعارك الحالية.
وقد بذل غيتس جهوداً حثيثة لجعل وحش الإنفاق يتضور جوعاً، وأنهى أو خفض البرامج التكنولوجية المتطورة، والمكلفة، التي أصبحت غير وثيقة الصلة بالموضوع، بعد انتهاء الحرب الباردة.
ولكن قبل أن يستكمل وزير الدفاع الأميركي إعلانه، أخيراً، وجه ممثلون عن لجان الكونغرس في الولايات الأميركية المختلفة، والذين شعروا بأنهم سيفقدون وظائفهم والدولارات الاتحادية، من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، انتقاداتهم اللاذعة لمقترحات غيتس وصوتوا ضدها.
لا يحتاج وزير الدفاع الأميركي لتذكيره بأن مقاومة مماثلة، هي التي أبقت مشروع تطوير محرك تعزيز آخر للجيل التالي من مقاتلات «إف-35» الأميركية، على الرغم من أن التكلفة الإجمالية لبرنامج إنتاجها، قد تضاعفت حتى زادت على 380 مليار دولار، في غضون عقد من الزمن فقط، رغم أن البيت الأبيض والبنتاغون يرددان أن المحرك البديل غير ضروري.
ومهما كانت الأوضاع المالية مؤلمة، فإن تجاوز هذه التخفيضات المالية المعتزمة، سيكون عملاً صعباً بالقدر نفسه.
صحيفة «إندبندنت» البريطانية