قضية الحياة المشتركة، بصورة سوية وبنّاءة، باتت في مركز الاهتمام في عالمٍ تتداخل فيه المصائر والمصالح، بقدر ما تتعاظم حركة الانتقال والاتصال والتبادل، للأشخاص والأموال أو للأشياء والنصوص.

ولذا فمن كنا نحسبه البعيد أو الغريب أصبح قريباً أكثر مما نتصوّر. ومن نعدّه الخصم أو العدو، نجد أنفسنا مضطرين إلى التعامل معه بلغة المباحثة والمفاوضة الصعبة أو الشائكة.

وهكذا ولّى زمن الاكتفاء الذاتي، ولم يعد بالوسع العيش في عوالم منعزلة. من هنا أصبحت قضية العمل المشترك، على أي صعيد كان، أكثر إلحاحاً من أي يوم مضى، بما تعنيه من إحلال لغة الحوار والتعاون والتضامن، محل منطق الخلاف والنزاع أو الإقصاء والعداء.

هل نحن إزاء فكرة طوباوية مثالية؟

لنتوقف عند النماذج الناجحة في هذا الخصوص، كما تتجسّد في التجربة الأوروبية. فبعد عداوات مستحكمة وحروب طاحنة سبّبت الكوارث والدمار المتبادل، فكّر الأوروبيون بطي صفحة النزاع والحرب لفتح صفحة السلم والتعاون، فولد من ذلك مشروع الاتحاد أو السوق المشتركة.

ومع ذلك فالاتحاد الأوروبي يجد نفسه أمام التحدي، في مواجهة المشكلات الناشئة أو الأزمات الطارئة. من هنا يرى البعض أنه ما زال في بدايته أو يعاني من هشاشته، ذلك أن الفكرة ما زالت مقتصرة على النخب الثقافية أو السياسية أو الاقتصادية، ولم تصبح قناعة راسخة على مستوى الشعوب في كل بلد من بلدان الاتحاد، كما يحلّل جان كلود باربييه، وهو من أبرز المختصين في الشأن الأوروبي.

أياً يكن، فالأزمات، كالأزمة المالية الراهنة، تضع أوروبا على المحك لكي تطرح قضيتها للمناقشة وتعيد صياغة الفكرة من جديد، لأن الفكرة الحيّة والخصبة هي التي يعاد التفكير فيها لتعديلها وإعادة صوغها باستمرار.

ومن إيجابيات ذلك أنه أفضى إلى توسيع المناقشة العمومية نحو مساحات جديدة تتخطى التجمعات الضيقة للنخب، لكي تصل إلى أوسع الشرائح، وعلى نحو يؤدي إلى تفعيل آليات التضامن وتوسيع أُطره، بقدر ما يؤدي إلى تشكيل وعي أوروبي عابر لحدود الأوطان واللغات والثقافات.

وبالمقارنة مع العالم العربي، تبرز المفارقة ويُطرح السؤال: لماذا ينجح الأوروبيون مع اختلاف اللغات والثقافات، فيما العرب يخفقون مع وجود اللغة الواحدة، بالإضافة إلى وحدة المصير في مواجهة التحديات والضغوط والمخاطر في الداخل ومن الخارج؟!

وهكذا تبدو المعطيات في أوروبا أكثر صعوبة وتعقيداً، ومع ذلك فهم ينجحون في تحويلها إلى فضاء تداولي ونظام تضامني، في حين أن العالم العربي يجد نفسه، بعد عقود من نشوء الجامعة العربية، فريسة للصراع والشقاق والتمزق..

والعلة في هذا الإخفاق، في مسألة التضامن، تكمن في طريقة التعاطي مع القضايا بعقل أحادي، فئوي، أو ارتدادي، بوصفها شعارات مقدّسة أو حقائق مطلقة أو نماذج مسبقة. بذلك يجري نفي الواقع لكي تصحّ الأفكار، بقدر ما يجري إقصاء المختلف وإدانته.

على هذا النحو يتم التعاطي مع مسألة الوحدة، أي بوصفها ما تمليه طبيعة الأمور، أو ما كان في الأصل وما ينبغي استعادته، وفقاً لصور وأطياف آتية من الماضي.. وفي المقابل يتمّ التعامل مع الاختلاف بوصفه عرضاً أو نتيجة ما فرقه الغرب والاستعمار.

والحصيلة لمثل هذا التعامل، هي المزيد من الفُرقة والشرذمة. لأن الاختلاف هو المعطى والأصل، وأما الوحدة فهي اعتراف بالاختلاف واشتغال عليه لتحويله إلى بناء مشترك. ولذا ليست هي شيئاً يُستعاد، بل فكرة تبقى قيد المراجعة والتعديل أو التطوير، بقدر ما هي عالم يبنى وواقع يصنع أو أفق يتسع ومستقبل يرتسم، عبر عمل دائم يشكّل خرقاً وتحويلاً للمعطيات من مجتمعية أو ثقافية أو سياسية.

هذا ما يفسر إخفاق التضامن عندنا ونجاحه في أوروبا. فألمانيا قدمت الدعم لشركائها، ليس في إطار فردي، بل في إطار الاتحاد الجامع، ولم تقدمه كمنّة، بل لأن هذا ما تقتضيه المصلحة المشتركة ومنظومة التضامن.

عندنا تجري الأمور بصور معكوسة، كما يشهد التعامل مع الأزمة اللبنانية. إذ كل دولة قادرة، عربية أو إقليمية، تشتغل لحسابها الخاص، فتقدم الدعم كمنّة، وبصورة إفرادية متجاوزةً بذلك الجامعة العربية، متجاهلةً الدولة اللبنانية، لكي تقيم علاقة حماية أو استلحاق أو استضعاف مع هذه الطائفة أو الجمعية، أو ذلك التيار أو الحزب..

وهذا لا يساعد على حلّ المشاكل، لأنه يحول دون نمو وعي وطني عابر للطوائف والأحزاب. ولذا فهو يزيد الشرخ شرخاً، في بلد يعتبر فيه اللبناني أن عدوه الأول ليس إسرائيل، ولا هذه الدولة المهيمنة أو المتسلطة، بل اللبناني الآخر المختلف معه في الطائفة والمذهب، أو المناقض له في العقيدة والإيديولوجيا أو في الخط والسياسة.

هذا ما تشهد به الحروب بين اللبنانيين، بأشكالها الرمزية والمادية، بتصفيتها الجسدية ومجازرها الجماعية، وهي حروب يستقوون فيها على بعضهم البعض، بالقوى الخارجية، العربية أو الإقليمية أو الدولية، الأمر الذي يجعل لبنان رهينة لمشاريع واستراتيجيات تفوق طاقته، وتلغي قراره أو تمزق وحدته وتفقده ميزته.

من هنا فالنجاح في إدارة الشأن المشترك، سواء على مستوى وطني أو على مستوى عربي، يقتضي العمل والبناء وفقاً لقواعد جديدة:

* أن يعامل المختلف، لا كضدّ، بل كشريك له وجهة نظره ودوره، بحيث يجري التبادل معه لتوسيع وتعزيز إمكانات وأطر العمل المشترك.

* التخلّي عن المعايير المزدوجة، بحيث لا يعيب الواحد على غيره ما يرتضيه لنفسه من السياسات والمواقف.

* ليس لطرف في بلده أن يقيم علاقات مع بلدان عربية أو غير عربية، على حساب شركائه في الداخل، وإلاّ لما كان ثمّة معنى للحديث عن أوطان أو بلدان.

* ليس لبلد عربي أن يقيم علاقات مع بلدان غير عربية على حساب البلدان العربية، وإلاّ لما كان ثمّة معنى لجامعة عربية أو عمل عربيّ مشترك.

* كسر منطق التخوين المتبادل، إذ لا يعقل أن يتهم بالخيانة أو العمالة نصف المجتمع أو شريحة كبرى أو فاعلة فيه. فالتهمة في مثل هذه الحالة ترتد على صاحبها، أو تعني أنه يتهم غيره لكي يرد التهمة عن نفسه.

وحسناً فعل الرئيس اللبناني بتأكيده على نبذ منطق التخوين. وهذا يقتضي رفع الوصاية عن القيَم والشؤون العامة، فلا أحد يحتكر وحده المشروعية أو يدعي وحده تجسيد قضية أو هوية أو أمة أو مقاومة.. بغير ذلك لا نصوغ حلولاً بنّاءة ومثمرة، بل نصنع حلولاً هشّة وملفقة كما يجري حتى الآن.

كاتب ومفكر لبناني

harb@cyberia.net.lb