لا شك أن هناك رغبة قوية في دولة الإمارات، في تطوير التعليم العام والعالي. فهناك اهتمام كبير من قمة الهرم السياسي، ومن قبل صناع القرار والمسؤولين كافة، لأن التعليم الجيد رصيد مجتمعي لكافة أفراد المجتمع.
ولذا كان اهتمام القيادة السياسية بملف التعليم وكل ما يتعلق به، واضحاً ولا يحتاج إلى تأكيد. فالاهتمام يبدأ بالطالب والمعلم، ويمر بالناتج العام للعملية التعليمية، وينتهي بقياس مخرجات العملية التعليمية ونواتجها.
ولا شك أيضاً أن الاستفادة من تجارب الدول الأخرى ذات الباع الطويل والخبرة العريقة أو الجديدة في مجال التعليم، يخدم العملية التعليمية عندنا، وبالتالي كانت هناك رغبة قوية منذ سنوات طويلة، في الاستفادة من خبرات تلك الدول المتقدمة، سواء بإرسال وفود محلية للإطلاع على تجاربها في مجال الخبرات التعليمية والتدريسية، أو بجلب الخبراء إلى بلدنا لإطلاعهم على واقعنا التعليمي والاستفادة من خبراتهم الطويلة في هذا المجال، أو حتى بتبادل التجارب والخبرات.
وعلى الرغم من أن هذه العملية طويلة ومكلفة وقد تكون بطيئة أيضا، حيث انه لا يتوقع أن يتم الانتهاء من تقويم وتطوير المناهج في يوم وليلة، إلا أن هناك نوعاً من الحماس والثقة في أن تلك العملية سوف تأتي يوما بثمارها الطيبة وتنعكس إيجاباً على الجيل الجديد. فالتنمية البشرية هي أساس كل خطط التنمية المجتمعية، ومن دونها لا يصبح لأي خطة تنموية أي فائدة.
لذا فقد كانت الثقة موجودة دوماً عند المسؤولين، واستمرت بالتالي الجهود على مدى عقدين، وإن كانت في اعتقاد الكثيرين دون الوصول إلى النتائج المرجوة، فملف التعليم ما زال يثير جدلاً مجتمعياً.
ورغم الجهود التي بذلت ورغم الإنفاق اللا متناهي على هذا الملف، إلا أنه في نظر البعض ما زال دون المستوى المطلوب. فما زال الطالب الذي هو محور العملية التعليمية، غائبا أو مغيبا، وما زال بعض مدارسنا أو حتى جامعاتنا يحتاج إلى إحلال، والأخرى إلى صيانة أو ترميم، ولا تزال مناهجنا تحتاج إلى إعادة تقويم، وما زال الخبراء بين الفينة والأخرى يحزمون حقائبهم ذهاباً وإياباً، دون أن نستفيد الاستفادة القصوى منهم، رغم أنهم في جميع الأحوال هم الفئة المستفيدة.
ملف التعليم يحمل بين طياته هموماً وشجوناً، وهو في نفس الوقت يئن تحت وطأة ضغوط مجتمعية أخرى، فهو الملف الذي يهم كل فرد، حيث إنه يمثل جميع فئات وشرائح المجتمع؛ الطلاب الذين يطمحون إلى المعرفة المتجددة والتعليم المستمر مدى الحياة، وهو الشيء الذي لا يقدمه لهم تعليم اليوم، أولياء الأمور الذين يئنون تحت وطأة أقساط المدارس الخاصة، من أجل تعليم فقدوا الثقة فيه .
ومن أجل معرفة متجددة لأبنائهم غير واثقين من أنهم سوف يحصلون عليها، وعاملين في حقل التعليم وهم يئنون تحت ضغوط الإدارات التعليمية من ناحية ومطالب الميدان من ناحية أخرى.
ومدرسين ومعلمين مواطنين وهم يرون واقع التعليم العام والعالي وقد سحب البساط من تحت أرجلهم، وفتح الباب على مصراعيه وفرش البساط الأحمر للخبير الأجنبي، الذي قدم وعوداً بإصلاح التعليم وعندما عجز لجأ مرة أخرى إلى المدرس المواطن يطلب منه العون والمساعدة.
هذه الهموم كلها تجعل ملف التعليم ملفاً شائكاً، ليس فقط لأنه ملف مغلف بهموم وشجون مجتمعية، ولكن لأنه مرتبط بمستقبل أجيال قادمة وبخطط تنموية مجتمعية مستقبلية. فلا غرو أن يصبح هذا الملف الأكثر جدلاً بين ملفات الحكومات المتعاقبة، وتصبح كل الخطط السابقة حبراً على ورق ما دام هذا الملف معلقاً. فهل نستطيع فعلاً إعادة الثقة إلى الناس في ملف التعليم وننهي المسائل العالقة فيه منذ أمد، أم أنه كتب على مجتمعنا أن يظل ملف التعليم فيه مفتوحاً كالجرح الذي عجزنا عن إيجاد الدواء الشافي له ونجرب في كل مرة دواء علنا نصل إلى العلة الحقيقية؟
هناك قضايا عالقة في ملف التعليم منذ سنوات، لم تستطع كل أدوية الخبراء أن تجد لها حلولاً، وهناك قضايا قد يئس المواطن من حلها فقبل بالأمر الواقع، وهناك قضايا مختصة بالطالب قد تعٌود عليها فلم يعد للتقويم أي نفع.
القضايا العالقة هي في غالب الأمر قضايا متعلقة بالمجتمع وبتطوره المادي والبشرى، وهي بلا شك ليست قضايا يسيرة. فقضية مثل البطالة، التعليم المستمر، متطلبات سوق العمل، الانفتاح وغيرها، هي قضايا متجددة ومستمرة، ولن تنتهي بحلول سحرية من هذا الخبير أو ذاك، بل هي محتاجة إلى جهد فكري وتطويع مجتمعي ومرونة في التعامل، ووضع مصلحة المجتمع قبل مصالح أي فئة.
يجب ألا ننظر على الدوام إلى ملف التعليم بوصفه الملف العصي أو الشائك، بل يجب التعامل معه بوصفه الملف الحيوي الذي يعكس مجتمعنا المتطور، والمتطلع دوماً إلى الأفضل وتأهيل أجيالنا الجديدة لمواكبة هذا التطور.
يجب التأكيد دوماً على أن التطوير في ملف التعليم لا يمس الثوابت الأساسية، ولا يؤثر على القيم المجتمعية النبيلة، بل إن التطوير هو الانتقال للأفضل. يجب بث الثقة في النفوس بأن قضايا التعليم العالقة هي قضايا ممكنة الحل، وأنها غير مؤجلة ولا مرحلة.. بهذا نكون أعدنا الثقة المجتمعية لواحد من أهم الملفات.
جامعة الإمارات