لا يجرؤ مسؤول أميركي أن يعرقل منحة لإسرائيل، سواء من الجمهوريين أو الديمقراطيين، وما زلنا نتذكر صفقة ضمانات القروض بعشرة مليارات الممنوحة إلى إسرائيل في بداية التسعينيات، حينما حاول الرئيس الأميركي جورج بوش الأب الضغط لتعليق تلك الضمانات لإسرائيل من أجل إجبارها على الجلوس للتفاوض مع الفلسطينيين في مؤتمر مدريد. وفي كل المناسبات التالية التي تم التلويح فيها بالضغط على إسرائيل كانت تخرج إسرائيل رابحة بسبب انحياز الكونجرس لصالحها.

أما موقف الأعضاء في الكونجرس من دعم الجيش اللبناني فالأمر مختلف، إذ تدخل أعضاء لإعاقة منحة بقيمة 100 مليون دولار فقط بعد العدوان الإسرائيلي وسقوط ضحايا على الجانبين مؤخرًا، ورغم أن إسرائيل هي المعتدية ولبنان هو المعتدى عليه والمتضرر، إلا أن واشنطن تبنت الموقف الإسرائيلي بدليل هذا النكوص عن دعم الجيش اللبناني، وابتدعت إسرائيل حجة جديدة لم تكن رائجة من قبل، وهي أن الجيش اللبناني يعمل بشكل وثيق مع حزب الله.

ولعل أوضح دليل على كذب هذه الحجة أن قوات المقاومة اللبنانية وخاصة في حزب الله لم تتدخل بعد العدوان الإسرائيلي على معسكر الجيش اللبناني في العديسة بجنوب لبنان، وإن يكن الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله قد وجه إنذارًا بأن قواته ستتدخل إلى صف الجيش اللبناني لمواجهة أي عدوان إسرائيلي مقبل في تلك المنطقة الملتهبة والتي تشكل صداعًا مزمنًا في تل أبيب بسبب قدرات حزب الله العسكرية.

وأيًّا ما يكن الأمر فإن إسرائيل ليست حارسة على دولة عربية ذات سيادة، سواء كان ثمة تنسيق بين الجيش والمقاومة الشعبية للاحتلال، لكن الأمر الذي يثير علامات الاستفهام هو ذلك المرتبط باستعداد واشنطن الدائم لمساندة الاعتداءات الإسرائيلية وتبني اتهاماتها للعرب وكأنها مسلمات لا تقبل القدح. رغم أن هذا الموقف يضر مصالح الأميركيين في المنطقة فقد لجأ الجيش اللبناني إلى فتح حساب مصرفي في بنك لبنان لتلقي المساعدات للتعويض عن المنحة الأميركية التي عُلِّقت وقيمتها 100 مليون دولار فقط. وهذا يفتح الباب لدعم كل الداعمين بمن في ذلك من تعتبرهم الولايات المتحدة خصومًا لها مثل إيران. فهل نجح "العقاب الأميركي" في لجم رغبة الجيش اللبناني في تحديث عتاده وزيادة قدراته الدفاعية؟

مشكلة تل أبيب وواشنطن أنهما لم تتعلما من تجارب الماضي شيئًا، وخاصة في حال مواجهة عسكرية بين الجيش الإسرائيلي وقوات المقاومة اللبنانية، ولذلك تقع الأخطاء، فقد انتقدت جهات أخرى في الولايات المتحدة تعليق المنحة للجيش اللبناني، فقد كان رد فعل المر (وزير الدفاع اللبناني) قويًّا بطلب مساعدات من أي جهة ودون شروط وهذا يشمل إيران أيضًا.