يبدو تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين أمرا بالغ الصعوبة، كحل أحجة مكعب «روبيك». إذ تضع المربعات الملونة في صف واحد، لكنك تجد صعوبة في وضع الصف الثاني منها في موضعه.

وهكذا، وبعد ثلاثة أشهر من المحادثات غير المباشرة لتقريب وجهات النظر بين الجانبين، وافق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على إجراء محادثات مباشرة لإيجاد حل على أساس الدولتين، أما الرئيس الفلسطيني محمود عباس فلا يزال يقاوم بعناد إجراء تلك المحادثات. لقد آن الأوان له أن يتحدث، ويبدي وجهة نظره.

وهناك أسباب مفهومة لتردد عباس، ونحن لا ندري إذا كان نتنياهو، وهو لاعب رئيسي في المفاوضات، يريد حقا تحقيق تسوية، وما إذا كان ائتلافه الحكومي المتطرف سيسمح له بذلك. وقام المبعوث الأميركي جورج ميتشل بجولة مكوكية جديدة، أخيرا، بين القدس ورام الله، ولا يبدو أنه حقق تقدما، برغم وجود مؤشرات على تحركات سياسية.

ويبدي عباس قلقه الشديد من الضغوط التي تمارسها واشنطن عليه. فبعد أن طالب الرئيس الأميركي باراك أوباما نتنياهو في عام 2009 بتجميد أعمال البناء في المستوطنات، كمقدمة لإجراء المفاوضات مع الفلسطينيين، كرر عباس المطلب الأميركي.

وعندما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي أوباما عن تطبيق تجميد مؤقت، وأقل تحديدا، لأعمال البناء في المستوطنات، تُرك عباس متعلقا بالآمال لأقصى حد. وهناك أسباب قوية تجعله يتصرف بهذه الطريقة:

أولا، يرى أوباما، بصورة صحيحة، أن اتفاقية السلام تعتبر عاملا في تحقيق الاستقرار الإقليمي على نطاق أوسع. وقد استثمر كثيرا من الجهود السياسية في محاولة يمكن تبريرها، لكنها سيئة التنفيذ، لحلحلة الموقف الفلسطيني من خلال العزف على وتر المستوطنات مع إسرائيل.

وقد سبب له ذلك توترا مع نتنياهو، ومع اليهود الأميركيين. وهو يضغط بقوة لإجراء محادثات مباشرة، ويقول مساعدوه إن صبره مع عباس بدأ ينفد، وأن مما يجافي الصواب التفريط برئيس أميركي التزم بلعب دور أكثر توازنا في المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية.

ثانيا، يحظى عباس بدعم الجامعة العربية، بما فيها بعض الدول المحورية، كالسعودية ومصر، وفي الشهر الماضي حصل بصورة رسمية على الضوء الأخضر لإجراء محادثات مباشرة، وهذه تغطية سياسية مهمة للقيام بذلك.

ويتعين على تلك الدول الضغط على عباس للتحرك الآن. ويجب أن تكون واشنطن مستعدة لزيادة الدعم للحكومة الفلسطينية، وأن تتخذ بعض المبادرات الإيجابية بحقها، كافتتاح مكاتب تجارية لها، وهذا سيعزز الثقة الإسرائيلية في تحقيق أية اتفاقية سلام مستقبلا.

أخيرا، وليس آخرا، سوف ينتهي الموعد الذي حدده نتنياهو لتجميد أعمال البناء في المستوطنات في 26 سبتمبر المقبل، وإذا جرت محادثات مباشرة في ذلك الوقت، فلا يجب أن يكون هناك مبرر لاستئناف البناء فيها، ولكن إذا لم تكن هناك مفاوضات مباشرة، فسيوفر عباس لنتنياهو ذريعة لاستئناف الاستيطان.

وبدون شك يشعر عباس بالقلق من أنه سيتم إلقاء اللوم على الفلسطينيين إذا فشلت المفاوضات، وسيستخدم نتنياهو هذه الذريعة للإيهام بحدوث تقدم، في حين لن يزيل أبدا القلق الفلسطيني بشأن الحدود، الأمن، اللاجئين، ومستقبل القدس. ويجب أن يكون أوباما مستعدا للتدخل إذا ما اقتضت الضرورة، ويطرح مقترحاته على الأطراف المعنية، إذا لم يحدث تقدم.

صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية