لاشك أن الحرائق التي اندلعت على مدار الأسابيع الماضية في أكثر من خمسة عشر إقليما روسيا، والتهمت مساحات واسعة من الأراضي والمساكن. وكادت تسبب تفجيرات نووية في أقاليم روسية مثل ساراتوف ومردوفيا عندما اقتربت النيران من المراكز النووية في هذين الإقليمين.

لا شك أن هذه الحرائق كارثة قومية، ذلك لأنها تسببت في تقليص محاصيل الحبوب إلى 70 مليون طن، ما أجبر روسيا على حظر تصدير الحبوب، ووضعها في حالة تثير القلق وعدم الثقة بها في أسواق الحبوب.

ورغم أن أكثر من نصف الاحتياطي الاستراتيجي المتوفر من الحبوب سيذهب لتغطية احتياجات السوق المحلي إلا أن هذا كله لم ينقذ المستهلكين من حالة ارتفاع في أسعار الحبوب ومشتقاتها، ما سيؤدى لارتفاع معدلات التضخم .

الحرائق في ظل الأزمة المالية تسببت في عجز في الميزانية يصل إلى 60 مليار دولار، بسبب إجبار الحكومة على إنفاق ما يزيد عن 400 مليون دولار لتعويض المتضررين الذين بلغت أعدادهم أكثر من 3 آلاف مواطن، ولعل أكبر خسائر كانت في قاعدة كولومنا الواقعة على بعد مئة كيلومتر من جنوب شرق موسكو.

حيث دمر حريق غابات 13 حظيرة طائرات على الأقل لا تحتوي فقط على معدات للطيران وإنما على طائرات حديثة، وكشفت مصادر عن أن حجم خسائر حريق هذه القاعدة بضع مئات من ملايين الدولارات، وإن كانت الجهات الرسمية نفت هذا.

كل هذه الوقائع قد تعكس حجم الكارثة، إلا أن الكارثة الحقيقية، كانت في عدم القدرة على مكافحة الحرائق، والإهمال الذي تسبب في اشتعال الحرائق في قاعدة البحرية الواقعة في ضواحي موسكو.

وإذا كانت الخسائر الناجمة عن الحرائق هي قدر ويجب أن نتقبله ونتعامل معه، فان تعديل قانون الغابات الذي أقره البرلمان منذ 5 أعوام، والذي نقل مسؤولية حماية الغابات من مخاطر الحرائق التي تشتعل سنويا إلى قيادات الأقاليم، التي تعاني من ضعف موارد التمويل، يمكن اعتباره هروبا من المسؤولية وإهمالا في حماية ثروات البلاد.

لقد تخلت إدارات الأقاليم عن الكثير من القواعد الإجبارية التي كان معمولاً بها في السابق. بدءا من ضرورة توفير سيارة إطفاء حرائق في كل قرية، وتأمين طرق إلى داخل الغابات لتتمكن سيارات الإطفاء من الدخول لأعماق هذه الغابات، وانتهاء بوجود نقاط رقابة دائمة ترصد أثار أي دخان وتستقصي مصدره الذي يمكن أن يكون بداية حريق، يمكن محاصرته قبل أن يتوسع. كل هذه الإجراءات لم تتمكن إدارات الأقاليم من توفيرها لما تحتاجه من تمويل غير متوفر في خزائن هذه الأقاليم التي تكاد تكون خاوية.

مسؤولية توسع الحرائق والخسائر البشرية والمادية الناجمة عنها تقع على عاتق تهرب المركز الفيدرالي من حماية هذه الغابات التي تشهد سنويا اشتعالا للحرائق. ولعل قمة الإهمال كانت واضحة في حرائق القاعدة البحرية الواقعة في ضواحي موسكو، والتى كان أفضل تعامل معها القرارات التي أصدرها الرئيس ميدفيدف، فلا يمكن تجاهل مسؤولية الفوضى والإهمال في تدمير هذه القاعدة وتكبيد وزارة الدفاع خسائر مادية ضخمة.

لا شك أن درس حرائق الغابات يكشف بوضوح أن دور السلطة المركزية في روسيا يختلف شكلا ومضمونا عن دورها في أي دولة أوروبية. أن هذه البلاد التي تمتد على مساحات واسعة، وتعيش ظروفا مناخية قاسية صيفا وشتاء، لا يمكن أن تترك مهمة تأمين شروط الحياة فيها للقطاع الخاص، بل أن عدم توفير الشروط الأساسية التي تضمن شروطا طبيعية للحياة سيؤدي بالضرورة لهروب الاستثمارات، وهروب السكان لمناطق تتوفر فيها إمكانية الحياة الإنسانية.

ولعل تناقص الكثافة السكانية في سيبيريا يكشف عن أن سوء الظروف المعيشية يدفع أبناء هذا الإقليم للهجرة و مغادرة مسقط رأسهم بحثا عن ظروف أفضل للحياة.

وفيما تباشر الحكومة في تنفيذ برنامج الخصخصة الجديد، والذي سينقل ملكية أهم الشركات المنتجة إلى القطاع الخاص، يبدو أن هذا القرار يحتاج لإعادة نظر، لأن الحكومة لابد أن توفر مصادر تمويل لتنفيذ المهمة الأساسية التي تقع على عاتقها وهى توفير الظروف والمتطلبات الأساسية التي تضمن حياة طبيعية للسكان في مختلف الأقاليم الروسية.

كاتب أوكراني