على امتداد الاسابيع الاخيرة ثار الجدل، ولا يزال مستمرا، حول الانتقال من المفاوضات غير المباشرة بين السلطة الفلسطينية وبين اسرائيل الى المفاوضات المباشرة بينهما، وهو الانتقال الذي تطالب به اسرائيل والولايات المتحدة، والذي وافقت عليه الدول العربية عبر اجتماعات جامعة الدول العربية، وان كانت قد قرنت ذلك بضرورة توفر ضمانات او ما يمكن ان وصفه بجدول زمني واضح ومحدد حتى لاتكون المفاوضات مفتوحة زمنيا من ناحية، وبما يضمن دورا مؤثرا للولايات المتحدة ايضا .
وبغض النظر عن تصاعد الخلافات الفلسطينية – الفلسطينية حول المفاوضات المباشرة، التي تعارضها كالعادة حركة حماس وبعض الفصائل الفلسطينية الاخرى التي تعارض اي موقف للسلطة الفلسطينية من حيث المبدأ، ولأسباب معروفة، فإنه يبدو أن الجولة الاخيرة لمبعوث السلام الامريكي الى الشرق الاوسط جورج ميتشيل التي انتهت قبل ايام تدفع نحو امكانية الانتقال الى المفاوضات المباشرة بين السلطة الوطنية الفلسطينية وبين حكومة نتانياهو ربما قبيل انتهاء التجميد المؤقت للاستيطان الفلسطيني الذي يستمر حتى 26 سبتمبر القادم .
صحيح انه لم يتم الاعلان عن نتائج جولة ميتشل، سوى ما اشارت اليه وزيرة الخارجية الأميركية، ولكن الصحيح ايضا انه على اثر محادثات ميتشل جرت، ولاتزال تجري تحركات متعددة الاتجاهات والاهداف، سواء على مستوى الدول المعنية في الشرق الاوسط، أو على مستوى الاتحاد الاوروبي واللجنة الرباعية، الى جانب الاعداد لاجتماعات وزراء الخارجية العرب في منتصف الشهر القادم . وفي هذا الاطار كانت محادثات الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالقاهرة مع
الرئيس المصري حسني مبارك، ومحادثات مبارك مع الملك عبدالله الثاني في الوقت ذاته من جانب، والمحادثات السورية الايرانية عبر زيارة كل من على اكبر ولاياتي مستشار المرشد الاعلى للثورة الايرانية وكذلك وزير الخارجية الايراني منوشهر متكي للعاصمة السورية دمشق ولقاءاتهما مع المسؤولين السوريين وقيادات المنظمات الفلسطينية في دمشق من جانب آخر، هذا فضلا عما تشهده جامعة الدول العربية من اتصالات في اتجاهات متعددة .
واذا كانت الايام القادمة ستشهد على الأرجح تبلور الآليات والجوانب ذات الصلة بأسس المفاوضات المباشرة بين السلطة الوطنية الفلسطينية وبين حكومة نتانياهو ، بدعم عربي غير قليل – لن يصل الى حد الاجماع – وبدعم امريكي واوروبي ودولي واضح، فإنه من الاهمية بمكان التأكيد على حقيقة ان المفاوضات المباشرة – وبغض النظر عن الالحاح الاسرائيلي والامريكي عليها – ليست غاية او هدفا في حد ذاتها، ولكنها في النهاية اداة ووسيلة لكي تصل السلطة الفلسطينية واسرائيل الى اتفاق بشأن القضايا المطروحة للتفاوض بما في ذلك قضايا الوضع النهائي تمهيدا للتسوية الشاملة.
غير ان المأذق يأتي من عدم تطابق او التقاء الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي حول الهدف من المفاوضات المباشرة من ناحية والتخوف الفلسطيني، والعربي كذلك من امكانية ان تعمد حكومة نتانياهو الى اضاعة الوقت كالعادة، والي استخدام المفاوضات المباشرة في صراعها الداخلي مع القوي الاسرائيلية الاخرى لاطالة اجل الحكومة دون اهتمام بالتوصل الى نتائج ملموسة ومحددة يمكن ان تنسف الائتلاف الراهن الذي يحرص نتانياهو على اطالة اجله بقدر الامكان الى اطول فترة ممكنة .
وفي هذا الاطار فانه في الوقت الذي يحتاج فيه الفلسطينيون الى كل دعم عربي، ولم يكن استمرار فتح معبر رفح ومرور شحنات مساعدات عربية ودولية من خلاله طوال الاسابيع الاخيرة، وكذلك المساندة العربية لمطلب رفع الحصار الاسرائيلي عن قطاع غزة ولتحقيق المصالحة الفلسطينية، سوي عناصر شديدة الدلالة في هذا المجال، فإن الفلسطينيين بوجه خاص وهدف تحقيق السلام العادل بوجه عام يحتاجون الان ايضا الى كل دعم ممكن من جانب القوي الدولية المعنية بالسلام والاستقرار في هذه المنطقة الحيوية، خاصة بعد ان ازدادت القناعة الامريكية والدولية بأن السلام العادل واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة هي بوابة السلام والاستقرار الذي تتطلع اليه كل شعوب المنطقة.
