الحكومات الروسية، التي تعاقبت على الحكم خلال العقدين الماضيين، لم تخصص إلا النّزر من الأموال للحفاظ على الغابات. وها هي روسيا اليوم تدفع ثمن تلك السياسات قصيرة النظر.
فقد تضاعفت حالات الوفيات بسبب الدخان الصادر عن حرائق الغابات. وتشير أقلُّ التوقعاتِ تشاؤماً إلى أن الخسائر الناجمة عن الحرائق تزيد على 30 مليار روبل.
ووجدت الحكومةُ نفسَها مضطرةً لتخصيص أموالٍ طائلةٍ لشراء معدات إضافية لوزارة الطوارئ. وتبرز الصحيفة ما يراه خبراء البيئة من أن الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الغابات لم تنشب بسبب الارتفاع غير المعهود في درجات الحرارة، بل بسبب الإهمال غير المسبوق للغابات من قِبَل السلطات.
وفي هذا السياق يرى الخبير البيئي أليكسي يابلوكوف أن الدولةَ مذنبةٌ في اندلاع الحرائق الضخمة وتلك حقيقةٌ لا جدال فيها. ذلك أن ما تنفقه الدولة على الغابات قليلٌ لدرجةٍ ليس لها مثيلٌ في التاريخ الروسي.
وتلفت الصحيفة إلى أن آراء يابلوكوف هذه تتطابق مع المعلومات التي نشرتها مؤخراً منظمة «غرين بيس» والتي تُبيِّن أن روسيا تنفق على الغابات 55 سنتاً فقط للهكتار الواحد. في حين تنفق كازاخستان أكثر من دولار للهكتار، وتنفق بيلاروسيا أكثر من 7 دولارات للهكتار.
عواقبَ موجةِ الحر الشديد التي ضربت روسيا لن تقتصر على الحرائق. فسوف تنحسر موجة الحر هذه عاجلاً أم آجلاً وبعد انحسارها يمكن أن تتعرض البلادُ لموجة من الأعاصير والعواصف والأمطار الغزيرة. وهذه الظواهر الطبيعية يمكن أن تُلحق أضراراً جسيمة بجميع القطاعات الاقتصادية.
ونذكر هنا أن إعصاراً ضرب ضواحي مدينة سان بطرسبورغ نهاية الشهر الماضي، حيث هطلت أمطارٌ غزيرة رافقتها رياحٌ وصلت سرعتُها إلى 40 متراً في الثانية. فأدى ذلك إلى قطع 186 خطاً كهربائياً، الأمر الذي أدى إلى شل الحركة على امتداد آلاف الكيلومترات من السكك الحديدية وإلى انقطاع التيار الكهربائي عن أكثر من 250 ألف مواطن.
وتقول الدكتورة في العلوم الجغرافية نينا كوبيشيفا أن شهري أغسطس وسبتمبر غالباً ما تتعرض روسيا فيهما لِكوارث طبيعية. ويتميز صيفُ هذا العام بموجة حرٍ مستقرة، الأمر الذي يزيد من احتمال حدوث مثل هذه الكوارث، وإذ تمتنع العالِمة الجغرافية عن التنبؤ بتوقيت حدوث الأعاصير تؤكد أن هذه الظواهرَ الطبيعيةَ آتيةٌ لا مَحالة.
ومتابعة لموضوع الحرائق، قام الرئيس دميتري ميدفيديف بزيارة تفقدية لجمهورية ماري، التي عانت بشكل كبير من حرائق الغابات. وبعد أن تفقد عدداً من المناطق المنكوبة ترأس اجتماعاً ضم عدداً من المسؤولين الفيدراليين والمحليين.
وخلال الاجتماع تعهد ميدفيديف بإقالة المسؤولين المحليينَ عن الغابات الذين واصلوا قضاء إجازاتهم على الرغم من اندلاع الحرائق. ووعد كذلك بإقالة المسؤولين عن القصور في التدريبِ على مكافحة الحرائق. وفي هذا السياق قال ميدفيديف إن الطقسَ هذه السنة غيرُ عادي. لكن هذا
يجب ألا يدفعَنا إلى إلقاء اللائمة كلِّها على المناخ وتبرئة المسؤولين الذين تَبيَّن أنهم على درجة غيرِ كافية من الجاهزية. وبالإضافة إلى هؤلاء وجَّه ميدفيديف نقده إلى الساسة الذين وجدوا في هذه المحنة فرصةً سانحة للمزايدة على السلطة بهدف تسجيل النقاط. وخَصَّ بالذكر الشيوعيين الذين حمَّلوا الحكومةَ وحزبَ روسيا الموحدة المسؤوليةَ عن كل ما حل بروسيا.
صحيفة «نيزافيسمايا جازيتا» الروسية