كثيراً ما يتردد السؤال هذه الأيام على ألسنة المراقبين الإعلاميين والمحللين السياسيين في منطقتنا وفي العالم..هل المنطقة بالسخونة المتصاعدة لبؤر التوتر فيها قابلة للانفجار في إحداها أو على بقية جبهاتها ومقبلة فعلا على الحرب؟.. ليتفرع عن هذا السؤال الرئيس أكثر من سؤال فرعي..

وهل الحروب الإعلامية الدائرة التي يقودها الإعلام الصهيوني على ما هو عربي وإسلامي ومقاوم، ومؤامرات الفتن الدوارة المتعددة الأشكال بالاتهامات السياسية والقانونية الكاذبة والعقوبات الاقتصادية الظالمة على أكثر من صعيد وفي اتجاه أكثر من دولة عربية وإسلامية، هي جزء من الحرب النفسية لفرض الشروط عليها للقبول بالأمر الواقع، أو لتحسين فرص التفاوض معها، أم هي لخلق الذرائع وتسويغ المبررات كمقدمة لشن الحرب العدوانية المحتملة عليها؟..

ثم.. لماذا الآن بالذات تتباعد فرص السير باتجاه السلام وتتقارب احتمالات الحرب؟.. ومن صاحب المصلحة في إشعال الحرب؟.. وهل ستكون حربا محدودة أم شاملة؟.. وحربا محددة أم إقليمية؟..

وما هي فرص منع قيامها مع ترجيح احتمالاتها، وما إمكانية الاستعداد لها وإفشال أهدافها واحتواء تداعياتها في حال وقوعها؟ بما يعاقب العدوان ولا يكافئه، وبما يجعل أي حرب عدوانية قادمة مشروعا خاسرا تكرارا لكل الحروب العدوانية الصهيونية والأميركية والفاشلة على غزة أو لبنان وفي العراق أو أفغانستان، وبما ينتصر في النهاية لقضايا العرب والمسلمين المشروعة الساعية إلى استعادة الحق والعدل والحرية والوحدة.

والواقع أن الإجابة الكاملة لا يملكها أحد بالقطع، ولكن بالقطع فإن احتمالات الحرب قائمة وستظل قائمة إلى أن تستعيد هذه الأمة وحدتها وتعيد حشد قواها لاستعادة حقوقها واستقلالها لبناء نهضتها وبناء قوتها لردع ومواجهة أعداء حريتها ووحدتها وتقدمها لمنع الحرب وفرض السلام الحقيقي الشامل القائم على العدل وليس السلام الموهوم.

والقول بأن «حرب أكتوبر 73 هي آخر الحروب» في الصراع العربي الصهيوني هو قول لم يصمد طويلا بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 82، وعلي العراق عام 2003، وعلى لبنان عام 2006، وعلى غزة عام 2009، وإزاء استمرار النوايا العدوانية الصهيونية والأميركية التي تفرض علينا الحروب..

وهذا كله وما تلا من حروب عدوانية داخلية على فلسطين والعراق وعلى لبنان والسودان ومن تهديدات إسرائيلية وأميركية بالحروب العدوانية على إيران وعلى سوريا تقول إن هذه الحروب التي تختلف جبهاتها وتتعدد أشكالها هي حلقات من حرب واحدة مستمرة ضد مجمل الأمتين العربية والإسلامية وليست ضد بلد بعينه، طالما بقيت أوضاع هذه الأمة بالفرقة والضعف والانقسام والمعارك البينية تغري أعداءها على الاستمرار على مواصلة العدوان عليها..

الحرب العدوانية الصهيونية الغربية ضد الأمة العربية والإسلامية لم تتوقف إذا، والحروب العسكرية والفتن الأهلية الطائفية والمذهبية والعرقية ما زالت قائمة حتى اليوم بل ومرشحة لفتح جبهات جديدة وبأشكال جديدة طالما بقيت قاعدة العدوان الصهيونية قائمة في قلب هذه الأمة.

وطالما استمر المشروع الصهيوني الغربي الأميركي ساعيا إلى استكمال أهدافه العدوانية لإخضاع هذه الأمة إلى هيمنته وسيطرته وطالما بقيت أجزاء من أوطاننا محتلة وكثير من حقوقنا الوطنية والقومية مسلوبة..

بل إن الحرب العدوانية الصليبية الصهيونية التي شنها الاستعمار الغربي على الأمتين العربية والإسلامية والتي بدأت مع الحرب العالمية الأولى واستهدفت ضرب الدولة العثمانية لتفكيك آخر أشكال الوحدة الإسلامية.

وبداية إدخالها في الحقبة الاستعمارية باحتلالها بالحرب العسكرية عام 1914، وتقسيمها بين مناطق النفوذ الاستعماري الإنجليزي الفرنسي في (سايكس بيكو) عام 1916، ثم بزرع قاعدتها الصهيونية العسكرية العدوانية ب(وعد بلفور المشئوم) عام 1917، ثم بإعادة رسم خرائطها إلى دول ودويلات متنازعة فيما بعد لإضعاف قوتها وضمان استمرارها ضمن مناطق النفوذ الغربي مازالت مستمرة..

وبكل أسف مازالت الخريطة العربية بشكلها المهشم التي رسمها رموز الاستعمار عام 1916 في مجلس العموم البريطاني قائمة حتى اليوم بعد رحيل الشكل العسكري للاستعمار وبعد نحو قرن من الزمان، والأكثر مدعاة للأسف أنها تزداد انقساما وتفتيتا بفعل فاعل شرير، مثلما جرى ويجري الآن في العراق وفي اليمن وفي الصومال وفي الشام وفي السودان والبقية تأتي!

وهنا، فإن الحرب الإعلامية بين الإعلام العبري المهاجم الذي ينشر الضلال والأكاذيب ويروج للعدوان والعنصرية وينشر الإشاعات الكاذبة محاولا زرع الفتن ونشر الخوف والشعور باليأس لدى شعوب المنطقة، والإعلام العربي المقاوم الذي يؤكد على بطلان اغتصاب أراضي وأوطان الشعوب، وعلى ضرورة إزالة الاحتلال والحق المشروع في مقاومته بكل الوسائل .

وعلى عدالة قضيتنا الوطنية والقومية وحقوقنا الإنسانية في الحياة الحرة المستقلة على أرضنا، هي الحرب الدائرة فعلا قبل كل الحروب العسكرية وأثنائها وبعدها. لكن هناك أيضا بكل أسى إعلام عبري ينطق بالعربي أو إعلام غربي يكتب بالعربي أحيانا لكنه مكشوف لغالبية شعوبنا!!

وإذا كان التسخين يتصاعد والتوترات تتزايد في أبرز جبهات المواجهة مع العدو الصهيوني المدعوم بشريكه الاستراتيجي الأميركي وحلفائه الغربيين التقليديين، على وقع التصريحات النارية والتهديدات العسكرية والاتهامات المفبركة سابقة التجهيز للبلاد والزعامات العربية والإسلامية المقاومة أو المناهضة للمشروع الصهيوني الأميركي على ألسنة بعض السياسيين والعسكريين خصوصا في الدوائر الإسرائيلية والأميركية بشن حروب عدوانية جديدة تحت عناوين مختلفة في أكثر من اتجاه عربي أو إسلامي، وعلى صدى التصريحات المضادة لها والاستعدادات لمجابة احتمالاتها وتداعياتها..

فإن توقع العدوان على أي جبهة من جبهات المواجهة مع المحتلين المعتدين ضرورة، وبناء القوة للاستعداد لها واجب، والتضامن العربي الإسلامي في التصدي الجماعي لها واجب،دون خوف أو تردد أو تجاهل للخطر، ودون الوقوع بقصر النظر وضعف الذاكرة في وهم نجاة طرف فيها طالما أنه محايد أو مسالم مع قوى العدوان..

فالثابت أن من يخاف الحرب تفرض عليه الحروب، ومن لا يستعد لمواجهة الحرب تفاجئه الحروب، ومن لا يبني قوته يغري أعداءه بالهجوم عليه.. الاستعداد للحرب ببناء القوة هو وحده الذي يمنع وقوع الحرب ويفتح الطريق للسلام القائم على العدل، أو يضمن النصر فيها إذا فرضت عليه.. فهل آن للعرب والمسلمين أن يستعدوا من الآن للحرب ليحصدوا السلام أو النصر؟

كاتب مصري