طلبت الولايات المتحدة من المفاوض الفلسطيني البدء في مباحثات مباشرة مع إسرائيل، وضغطت على الرئيس الفلسطيني محمود عباس على نحو غير تقليدي في علاقات الدول وإلى حد التهديد بالحرمان من موارد مالية هي العصب المحرك للحياة عند السلطة والشعب الفلسطيني بشكل عام.

وطلبت السلطة ضمانات وجداول لضمان سير المفاوضات إلى نتيجة مرضية لكل الأطراف، طبعًا بعد أن فشلت الجهود الأميركية في حمل إسرائيل على وقف الاستيطان. أما ما تطلبه إسرائيل باستمرار فهو التفاوض دون "شروط" مسبقة؛ أي تمرير الموقف من مسار جدلي إلى مسار آخر، والانتقال من مهرجان لالتقاط الصور والتصريحات المتفائلة إلى آخر وهكذا إلى ما لا نهاية.

فمن الذي نجح في الحصول على مطلبه؟ لا أحد. ذلك لغياب الجدية لدى إسرائيل، وغياب المصداقية لدى واشنطن التي تأخذ بمطالب إسرائيل حرفيًّا، وتتولى إملاءها على الجانب الفلسطيني باستخدام العصا والجزرة حسب مقتضى الحال. وإذا كان نتنياهو يرفض إعطاء أي ضمانات، فذلك دأب السياسة الإسرائيلية دائمًا حين تجد الظروف مهيأة للمراوغة والالتفاف حول كل الجهود التي تبذل من أجل التسوية السلمية للصراع العربي ـ الإسرائيلي.

ورغم أن الرئيس الفلسطيني أعلن أكثر من مرة رفضه أي تنازل عن الضمانات، إلا أننا نجد تصريحات منسوبة لمسؤولين فلسطينيين (رفضوا ذكر أسمائهم حسبما قالت وكالات الأنباء) بأنه حدث تقدم في الجهود الرامية إلى إطلاق المفاوضات المباشرة التي تلهث وراءها كل من إسرائيل والولايات المتحدة لاحتواء حالة الأسف العميق الذي تستشعره المنظومة الدولية حيال أسلوب الوساطة العقيم الذي تقوم به دول اللجنة الرباعية الدولية. أما الذين أكدوا عدم تحقيق تقدم في مباحثات عباس ـ ميتشل أمس الأول فأسماؤهم واضحة مثل صائب عريقات الذي أكد عقب لقاء عباس وميتشل أن "اللقاء كان معمقًا، لكن لا يوجد اتفاق على الإطلاق"!!

وهذا يشير ـ ضمن ما يشير ـ إلى عدم الجدية في التعامل مع الملف الفلسطيني لا من إسرائيل، ولا من الوسطاء، فكلهم واحد مع تقسيم في الأدوار، وما زال الإنسان العربي والفلسطيني بل والعالم أجمع يشهد عدوانًا إسرائيليًّا وحصارًا وهدمًا لمنازل الفلسطينيين كل يوم دون أن يبدو بصيص أمل في نهاية هذا النفق المظلم. إذ إن المطالب المشروعة من جانب الفلسطينيين تترجمها إسرائيل على أنها "شروط" والآن يجري تحميل "الرباعية" الدولية صلاحية إعطاء "الضمانات" للفلسطينيين، فهل تحكم "الرباعية" إسرائيل؟!