لطالما اشتكى عدد متزايد من الدول، بدءا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وانتهاء بالبرازيل، من أن الصين تقوم بتخفيض قيمة عملتها باستمرار. لذلك فإن موافقة الحكومة الصينية، أخيرا، على الخضوع لمراجعة صندوق النقد الدولي السنوية لأسعار تبادل العملات والسياسات الاقتصادية للدول المختلفة، تعتبر أمرا طيبا.
لكن يجب ألا يفسر أحد هذه البادرة على أنها تغير رئيسي في السياسة الصينية، وبالطبع أشار الخبراء الاقتصاديون في صندوق النقد الدولي، أخيرا، إلى أن عملة الرنمينبي الصينية تبقى أقل من المستوى المتوسط للعملات الأساسية.
والانفتاح الجديد يعني أن الصين تبدو أكثر ارتياحا، وأنها تستطيع الإفلات من معالجة قيمة عملتها. ولن توافق على مراجعة هذه القيمة، إلا بعد أن يخفف صندوق النقد معاييره الأساسية في ما يتعلق بالدول المختلفة، وما إذا كان ذلك سيجعل تلك الدول قادرة على معالجة أسعار تبادل العملات لديها لتعزيز صادراتها، وذلك فيه انتهاك لقواعد الصندوق، علاوة على اشتراطها عدم التشكيك في نزاهة بعض الدول، كالصين، لدى تقييم سياساتها الاقتصادية.
صحيح أن الصين اعتمدت على الاقتصاد بدرجة أقل، لتعزيز النمو منذ بدء الأزمة المالية العالمية، وهذا نزع فتيل بعض الانتقادات لسياستها المتعلقة بالعملة. وقد تراجع فائضها التجاري إلى النصف، في السنتين الأخيرتين، فيما أجبر الكس
اد الاقتصادي بعض الدول على تخفيض وارداتها، بينما تعززت واردات الصين مع الشفاء السريع لاقتصادها، ما ساعد على تنامي الاقتصاد في الخارج. وفي يونيو الماضي ارتفعت قيمة العملة الصينية تدريجيا مقابل الدولار.
ولسوء الحظ، فإن بعض هذه التأثيرات قصيرة الأجل، فعلى الرغم من التراجع الذي شهده الاقتصاد العالمي، تنامت حصة الصين من الصادرات العالمية بنسبة تصل إلى نحو 10%. وتتنامى الصادرات الصينية الآن مجددا، ويتوقع أن يخرج فائضها التجاري من عنق الزجاجة هذا العام.
ونظرا لتغير سياستها الاقتصادية المعلنة، فقد ارتفعت عملتها قليلا مقابل الدولار، وفقدت، في الواقع، بعض قيمتها مقابل اليورو والين الياباني. ويبدو أن صندوق النقد الدولي يعتبر التوقعات ككوب ماء نصف ممتلئ. فقد رحب مجلس إدارته بالسياسة الصينية المتغيرة تجاه العملة، فيما اختلف بعض أعضائه حول تقييم العملة الصينية وأنها أقل من قيمتها الحقيقية، حيث تراوح الاختلاف بلغة المال بين 6 إلى 9 أعضاء من أصل 24 عضوا.
وهذا الموقف المتسامح ربما يعتبر حكيما، فاتخاذ إجراءات تأديبية ضد الصين، كوضع بعض المعوقات التجارية أمامها، كما اقترح بعض أعضاء الكونغرس الأميركي، سيشعل فتيل مواجهة مماثلة سوف تعرض الانتعاش الاقتصادي الأميركي للخطر.
وقد أقدمت الصين الآن على تصرفات أخرى، إذ إنها زادت قيمة مدفوعات التقاعد وشيكات البطالة، ووفرت إعانات حكومية للتعليم الجامعي وشراء مساكن وسلع مستديمة، وذلك بهدف زيادة الاستهلاك الداخلي، وتقليل الاعتماد على الصادرات.
ومع ذلك، فإنه لا يمكن تبرئة الصين من تصرفاتها، ويتعين على صندوق النقد الدولي مراقبة الفائض التجاري الصيني، لتقييم حصتها من المتطلبات العالمية، وإذا ثبتت صحة آراء الخبراء الدوليين، فعندئذ يتعين على مجلس الإدارة إعادة تقييم استنتاجات الصندوق، وتسمية الأمور بأسمائها، وإقناع المجتمع الدولي بإيقاف الصين عند حدها.
صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية