ليس بوسع أي إنسان في أي بقعة في العالم، تعتمل في قلبه ذرة من الإيمان بالإخاء الإنساني على إطلاقه ويتابع الأخبار التليفزيونية، إلا أن تتملكه مشاعر المواساة تجاه الكارثة الطبيعية المتعاظمة، التي تجتاح الناس في باكستان؛ أمطار فائقة الشدة تهطل على مدى أيام، لتنشأ عنها فيضانات وسيول هادرة، تسفر عن مقتل ألوف من البشر وتشريد ملايين.
لكن رغم الإقرار بخطورة الكارثة وتداعياتها الرهيبة واتساع نطاقها، يتردد سؤال كبير على ألسنة الناس: أين الحكومة ومؤسساتها؟ وتتسع دائرة التساؤل لينبثق عنها سؤال أكثر دقة: هل كان من الممكن أن تكون الحكومة الباكستانية أقل عجزا، لو لم تدفع بباكستان إلى المشاركة في «الحرب الأميركية على الإرهاب»؟
تصنف باكستان في إطار مجموعة دول العالم الثالث الفقيرة، ذات الموارد والبنى التحتية ومؤسسات الخدمات المتواضعة أصلا، لكن تورطها في الحرب على مدى تسع سنوات حتى الآن، أدى إلى استنزاف مريع لاقتصادها الوطني، مما دفع بها إلى حافة الإفلاس التام، فأصبحت الحكومة تواجه عجزا على عجز. وجاءت كارثة الفيضانات الطبيعية على نحو فجائي، لتفضح كارثة الإفلاس.
بادئ الأمر لم تكن باكستان طرفا مشاركا في هذه الحرب، التي أشعلت فتيلها الولايات المتحدة ضد قوات حركة طالبان الأفغانية في عام 2001. كانت حربا أميركية صرفا أشعلت في عهد الرئيس جورج بوش الابن، لأسباب أميركية. فقد كان الهدف من الغزو الذي أعلنته إدارة بوش، هو القبض على قادة تنظيم «القاعدة» المقيمين في مخابئ أفغانية، مما يتطلب بالضرورة الإطاحة بنظام طالبان الحاكم وإبادة ميليشياته وقواته الضاربة.
والآن، وبعد تسع سنوات من القتال، لا تزال الحرب دائرة بين القوات الغربية بقيادة الولايات المتحدة، متنقلة من فشل إلى فشل. لكن في هذه الأثناء توسعت دائرة الحرب الجغرافية، لتشمل الإقليم القبلي الباكستاني المحاذي للحدود مع أفغانستان.
هنا مارست الإدارة الأميركية ضغوطا على الحكومة الباكستانية ومؤسساتها العسكرية، لتكون شريكا في الحرب بإرسال قوات من الجيش الباكستاني، لدعم المجهود الحربي الأميركي في الإقليم القبلي. وكما يقول المفكر السياسي الباكستاني المرموق عمران خان، فإن باكستان «تخوض حرب آخرين».
رجال الإدارة الأميركية يرددون من حين لآخر، أن الدور الباكستاني في الحرب «مدفوع الثمن»، في إشارة من قبيل المن والأذى، إلى أن الولايات المتحدة قدمت لباكستان مساعدات تبلغ قيمتها 15 مليار دولار.
لكن تبقى في هذا السياق ملاحظتان: أولا؛ أن هذا المبلغ تلقته المؤسسة العسكرية الباكستانية، وبالتالي لم يستفد منه الاقتصاد الوطني. ثانيا؛ أن الاستنزاف المالي المتعاظم بسبب الإنفاق العسكري المتصاعد وانعكاسه على حركة الاقتصاد، كلف الخزينة الباكستانية حتى الآن ما يربو على 50 مليار دولار، وفقا لأرقام البنك الدولي.
للتعامل مع هذه المحنة الاقتصادية، اضطرت الحكومة الباكستانية إلى الاقتراض الخارجي، فلجأت إلى صندوق النقد الدولي الذي تتصاحب مع قروضه شروط كارثية، تزيد الطبقات محدودة الدخل ـ أي غالبية المجتمع ـ فقرا على فقر وبؤسا على بؤس، مثل سحب الدعم للسلع الضرورية، وفرض برنامج لخصخصة شركات القطاع العام. في هذا الصدد يصرخ عمران خان قائلا: «نسيجنا الاجتماعي يجري تدميره بسبب شروط الصندوق».
بكلمة واحدة، أصبحت باكستان الآن دولة في حالة انهيار، مرشحة للتفاقم مع استمرار مشاركتها في «الحرب الأميركية على الإرهاب». وهي حالة كشفتها بصورة درامية تداعيات كارثة الفيضانات العارمة، فقد بدا أن كافة المؤسسات الحكومية لا يتوافر لديها أي حد أدنى من الاستعداد لمواجهة الأزمة المتضاعفة، مما تطلب إنزال فرق من الجيش.
لكن حتى هذه الفرق انحصر نشاطها في إنقاذ المواطنين في المناطق النائية، فليس لديها بالتالي من مخزونات الأغذية الاحتياطية ما يكفي لتوزيعه على المنكوبين الجوعى. وفي هذا المجال، فإن الجمعيات الخيرية حلت محل الأجهزة الحكومية.
لهذا السبب فضل رئيس الجمهورية آصف زرداري الفرار من المشهد. فمع حلول الكارثة العظمى لم يشأ الرئيس إلغاء زيارته إلى أوروبا، وبينما كانت الفيضانات المرعبة تغرق الآلاف وتشرد الملايين، كان الرئيس زرداري يتفقد قصره في فرنسا، ثم يزور لندن للالتقاء مع أبنائه الذين يدرسون في الجامعات البريطانية.
لكن بما أن الكارثة مرشحة للتفاقم والتوسع، فإن الرئيس زرداري سيجد نفسه على مفترق طرق سياسي. فإما أن يعمل على إنقاذ باكستان بالانسحاب من المشاركة في الحرب الأميركية، وإما أن يرفض مجرد النظر في خيار الانسحاب، فيتعرض نظامه لنقمة شعبية كاسحة.. وإما أن يتقدم باستقالته.
مع استمرار تداعيات الكارثة، فإن احتمال انتفاضة شعبية وارد بقوة. فالمد الفيضاني لم يؤد إلى إتلاف المحاصيل الزراعية الغذائية للموسم الحالي فحسب، بل إن التلف واسع النطاق الذي أصاب مشروعات الري في أنحاء البلاد، يتهدد الموسم الزراعي المقبل.. مما يهدد بدوره بانتشار مجاعة.
إنها حقا كارثة طبيعية خطيرة، ولكن كان من الممكن الحد من خطورتها، لولا أنها نشبت في بلد في حالة حرب استنزافية.. وهي حرب كانت باكستان في غنى عنها.
كاتب صحفي سوداني
hisham200775@yahoo.com