اتبعت شركة «بريتيش بتروليم» الخطوات التقليدية التي تتبعها الشركات، مثل تويوتا والبنوك الكبرى، عندما تعرضت لأزمات سابقة. والسيناريو لحل الأزمات، سواء بالنسبة ل«بريتيش بتروليم» أو غيرها، بات معروفاً، فهي تبدأ بمحاولة وقف النزيف لتقليل حجم الخسائر ما أمكن.
ثم تطلب دعماً من الحكومة، إذا كان هذا ممكناً، كما تعين جيشاً من مستشاري إدارة الأزمات واختصاصيي العلاقات العامة، بهدف تلطيف حدة التأثيرات الاقتصادية والسياسية، وحماية الماركة من اهتزاز سمعتها في الأسواق العالمية.
وبالنظر إلى تاريخ شركات نجحت في التغلب على أزمتها، مثل شركة «إكسون»، وشركات أخرى سحقتها الأزمة فاندثرت، مثل شركة «إنرون»، يمكن للفرد أن يحصل على فكرة متعمقة حول الطريقة التي ينبغي على الشركات التعامل بها مع أزماتها، والأمور التي يجب عليها اجتنابها.
في البداية، هل يمكن التنبؤ بالأزمات؟ في الواقع فإن إدارات الشركات والمؤسسات ترقب الأفق دوماً تخوفاً من حدوث أزمة ما، غير أن الأسواق لا يمكن التنبؤ بها، فهي متقلبة دوماً، ويمكنها أن تهجر شركة ما وتقاطعها في أول بوادر فضيحة تتعرض لها تلك الشركة. لكن يمكن التنبؤ بالأحداث السياسية التي تسبق الأزمات الاقتصادية، وهناك تطابق عجيب في الطريقة التي يتصرف بها المستثمرون وأصحاب المصالح التجارية في واشنطن، حيال الأزمات المحلية التي تعصف بأميركا.
ففي السنتين الماضيتين، على سبيل المثال، تعاملت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما والكونغرس، الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، مع الأزمات البيئية والاقتصادية بشكل متشابه جداً مع تعامل الكثير من الهيئات الاقتصادية الأخرى مع أزماتها، وعلى ما يبدو فثمة خطوات يتم اتباعها في كل مرة.
وهذه الخطوات هي: وقف النزيف؛ حيث يحاول القطاع الخاص حل المشكلة، وإذا عجز عن هذا فإنه يستنجد بالحكومة، لتساعد في استقرار السوق أو تقديم المساعدة التقنية أو ما شابه، حيثما كان ذلك ممكناً، وكلما طال وقت وقف النزيف، زادت التكاليف، وصار تأثير الخطوات التالية أكثر قذارة وحدة.
أما إذا نجحت الشركة في وقف النزيف بسهولة، فإن الأزمة لن تؤثر كثيراً على الشركة، وستبقى داخل جدرانها، ولا تؤثر على القطاع بشكل عام. لكن إذا عجزت الشركة عن وقف النزيف، فإن هذا يُعد نذير خطر يهدد تلك الصناعة بشكل عام.
تحديد الأسباب؛ تبدأ لعبة اللوم المتبادل حال وقوع أية أزمة، فالسياسيون يلقون باللوم على القطاع الخاص، ويتهمونه بأنه سعى بكل السبل للحصول على الربح الفاحش، فأهمل في نواح أخرى أدت إلى ما أسفرت عنه، ويبدأ الإعلام بالبحث عن أية دالة، ولا يرحم القطاع الخاص من أية معلومة تقع بين يديه. وفي عالم اليوم فإن تأثير الإعلام كبير، خاصة مع انتشار التكنولوجيا الحديثة التي صارت تقدم الخبر آناء الليل وأطراف النهار.
غير أن الإهمال لا يمكن أن يكون التفسير الوحيد للأزمة في سوق تديره الحكومة، لهذا يبدأ الإعلام بلوم واشنطن والإدارة وأعضاء الكونغرس، بينما يرد هؤلاء اللوم على سابقيهم فيتهمونهم بأنهم تركوا وراءهم تركة ثقيلة تنوء بحملها الجبال. كما يحاول السياسيون عادة إلقاء اللوم على جهة محددة لم يسمع بها معظم الناس قبل ذلك، مثل مصلحة السكك الحديدية أو سلطة الكهرباء على سبيل المثال.
وفي محاولة الكونغرس فهم كيفية حدوث الأزمة، فإنه يتم استدعاء الشركات ومدراء القطاعات الملومين، حيث تُعقد جلسات استماع ومرافعات يتخللها توجيه الكونغرس التقريع للرؤساء التنفيذيين لتلك الهيئات.
أما الرئيس أو الكونغرس، فإنهما يلجآن إلى وضع مسافة بينهما وبين الوصفات السياسية التي يصدرونها، ويحاولان استمالة الحزبين الجمهوري والديمقراطي لصالحهما، من أجل معرفة جذور الأزمة.
تغيير السياسة؛ إذا كان تأثير الأزمة مدوياً، مثل الأزمة المالية العالمية الأخيرة، فإنها تطال الرئيس الأميركي، ويتأثر بها الرأي العام تأثراً كبيراً، وحينها سيحاول الرئيس طرح أجندة سياسية معينة وتقديمها لتكون كبش فداء على مذبح الكونغرس.
وإذا كانت الأزمة محددة وضيقة النطاق، مثل ما حدث لتويوتا عندما سحبت الألوف من سياراتها من الأسواق، فإن أعضاء الكونغرس المعنيين بالأزمة سيحاولون جهدهم إنفاذ تشريع يسعى لتنظيم بيئة قطاع السيارات، ويتم تغيير التنظيمات المتعلقة بقطاع معين عن طريق إعادة كتابة تنظيمات مدراء ومالكي تلك القطاعات من جديد، ومنحهم المزيد من الأموال لكي يقوموا بعملهم بشكل أفضل في المرات المقبلة.
لكن من أجل إعادة صياغة تنظيم يخص صناعة معينة، فإن أعضاء الكونغرس سيحتاجون لغطاء تشريعي، ويتأتى الخوف هنا من أن يقود التشريع الجديد إلى مزيد من الضرائب على المواطنين، والمزيد من القوانين التي لا تمت بصلة لأسباب الأزمة نفسها.
الدخول إلى عالم ما بعد الأزمة؛ فبعد تمرير التشريع، يستمر الإعلام بمراقبة القصة، لكن مع مرور الوقت يفقد السياسيون والعامة تدريجيا اهتمامهم بالقضية، وإذا حدثت مشكلة مشابهة، فإن صداها يكون أكبر على جميع الأصعدة، وتنال حظاً أوفر من الدراسة والتمحيص، وستبالغ الأسواق في ردة فعلها خوفاً من شبح الأزمة الأخرى التي مرت بها سابقاً.
وتدريجياً، سيفترض الجميع أن الأزمة تم حلها بشكل أكثر عقلانية هذه المرة، لكن الحقيقة أنه تم منح مدراء وأصحاب القطاعات سلطات ومصادر أكبر، وصارت قدرتهم على التركيز في المشكلة وخبرتهم في الخروج من المآزق أكبر.
رئيس مجموعة يوراشيا للاستشارات السياسية
opinion@albayan.ae