مهاجمتنا للديمقراطية الكسيحة في العراق، لا تمنح الآخرين صك غفران، ولا تعطي لحكم أي طاغية شهادة حسن سلوك، ولا تقلل من إيماننا بالديمقراطية الحقيقية، بقدر ما منحتنا هذه «التجربة» درساً بليغاً عن المؤهلات المطلوبة لتطبيق التجربة واستيعابها..

إنها ليست دعوة لرفض الديمقراطية، بل وقفة تأمل لكل محطات فشل تجربة محبطة، كونها استوردت وطبقت بلا عقلانية، وبدأت تعمل في فراغ سياسي أعقب دكتاتورية شرسة، في مجتمع غير مهيئ لاستيعاب مبادئ ومستلزمات السلم والشفافية واحترام الرأي وحقوق الجميع..

تجربة بدل أن تأخذ العراق إلى جادة الصواب، فإنها زادت من أعبائه ومشاكله ومصاعبه. وبات العراقيون لا يعرفون كيف يعالجون قضاياهم بأنفسهم، وعاجزين عن الاستجابة للتحديات المفروضة عليهم.

إن الديمقراطية في العراق كسيحة اليوم، كونها بدأت تحمل أمراضها منذ اليوم الأول لتطبيقها على أسس خاطئة. صحيح، أن جملة تغييرات قد أصابت حياة المجتمع العراقي، واستطاع أن يتمتع بحالة جديدة وانفتاح لم يكن مسموحاً له أن يعيشه سابقا، كالإعلام والاتصالات والسفر وزيادة الرواتب، ولكن في نفس الوقت، وجد نفسه أمام تجربة لا تلبي كل أمنياته وآماله العريضة التي كان يحلم بها منذ زمن طويل.

إنه كان ولم يزل أمام فراغ أمني هائل، ولم تزل عمليات القتل والخطف والتفجير تنال من أرواح العراقيين ودمائهم وممتلكاتهم العامة والخاصة.. إنه أمام قوى سياسية متصارعة على السلطة، وليست له قناعات راسخة في أن يكون مع هذا أو ذاك.. إنه أمام مشكلات صعبة جداً، خلقتها ظروف التسّرع المجنون بإصدار دستور دائم يتضمن جملة بنود كافية لسحق العراق وشخصيته الداخلية والخارجية..

إنه أمام قوى حزبية طائفية وميليشياوية وعشائرية وجهوية، ساهمت كلها في تفكيك المؤسسات وسحقها، وجعلها تتوزع المناصب والوظائف في ما بينها.. انه أمام نوازع جشعة لأصحاب مصالح فئوية وشخصية، أدت إلى انتشار الخراب والسرقات للمال العام والرشاوى، وكل الفساد الذي أمسى العراق الأول فيه عالميا!

انه أمام انقسام طائفي وتشرذم اجتماعي وصراع عرقي، لم يعرفه تاريخ العراق سابقاً بهذا النحو أبدا.. انه أمام خواء كبير من أي خدمات بلدية أو عمرانية، وانعدام كامل لإصلاح أي بنية تحتية كانت قد سحقتها الحروب والطائرات القاصفة.. انه أمام اقتصاد هش، لم يستطع بعد مضي كل هذه السنين أن يتحرك قليلا، من أجل مساعدة المجتمع وتخليصه من البطالة والعوز والجوع والأمراض، وأن يأخذ البلاد إلى الإصلاح والإعمار.

إنه أمام فضائح ليست سياسية فحسب، بل إعلامية أيضا. فرغم انتشار صحف ومواقع وفضائيات تعمل كلها ليل نهار، فإن الكثير منها ليست أهدافه وطنية سامية، بل يعمل لغايات انقسامية وطائفية! وإن كانت كلها ترفع شعار الديمقراطية، إلا أنها لا تؤمن بمستلزماتها، ولم تنتقد الأخطاء أو تعالج الأوضاع.

العراق أمام خلل فظيع في مؤسسات التربية والتعليم، التي تخضع اليوم للأهواء والانقسامات والغلو والتخلف، وزعزعة الثقة في العراق.. انه أمام مشهد فاضح من إقصاء المتميزين، وتهميش المجتهدين، وعدم الاستماع للمستقلين، مع إبعاد اصطحاب الكفاءات والخبرات، موظفين ومستشارين من كل مؤسسات الدولة وأجهزتها، والاعتماد على المنافقين والموتورين والمعممين والمصفقين والمتحزبين الديماغوجيين..

إذ غدا بعض الأحزاب الحاكمة هي التي تمنح شهادات حسن سلوك للتعاقد والتوظف! انه أمام فصول مسرحية من قضايا فساد مالية وأخلاقية كبرى، كلها تمّرر من حساب موارد الشعب العراقي، ولا بد أن يحقق فيها عاجلاً أم آجلا.. إنه أمام عمليات نهب رسمي منظم، وأمام عمليات تغطية رسمية منظمة شبيهة بأعمال المافيات، تنبغي معرفة حيثياتها كلها!

إن المشكلة الأساسية ليست في عامة الناس الذين قاموا بانتخاب أناس وثقوا بهم، ولكن خابت ظنونهم فيهم.. إن الشعب لو عاد لينتخب من جديد، فلن ينتخب من كان قد انتخبه قبل أشهر! لقد أظهرت القوى السياسية الحاكمة أن شعارات الديمقراطية التي ترفعها، هي وهمية لا أساس لها من الصحة أبدا، بدليل تعنتها وصراعاتها من أجل السلطة، وعدم تقديمها أي نفع للصالح العام، وعجزها عن فرض استحقاقات إعمار العراق على المحتل الذي سحق العراق!

إن المعضلة العراقية ليست في مبادئ الديمقراطية التي لم يعرفها العراقيون منذ خمسين سنة، ولكن العلة تتمثل في قوى سياسية تتصارع من أجل حكم العراق، دون نقد أحواله ومعالجة أخطائه، وتلحق بها فئات ضالة في أيديولوجياتها، وأناس يسبحون في خيالاتهم الوهمية.. إننا أمام قادة جدد لا يريدون إلا السلطة.. ورهط من الساسة يتلونون مع الظروف المعتمة، بكل تناقضاتها.. ولا بد للعراقيين من التفكير في كيفية الخروج إلى فضاء أنقى بكثير مما هم فيه..

إن العراق اليوم بحاجة إلى إصلاحات وتغيير واسع في كل ميادينه.. إن مشاكله لا يمكن لها أن تحلّ، إن لم يعد من جديد إلى المربع الأول، على أيدي قادة صالحين ووطنيين وزاهدين وأذكياء ماهرين، من أجل تأسيس مؤتمر وطني، والعمل على إصدار دستور مدني، وتشكيل أحزاب سياسية وطنية لا طائفية.. ومع خروج المحتل الأميركي. إنها ليست عملية مستحيلة، ولكنها حدث كبير من أجل ديمقراطية حقيقية.. لا كسيحة!

مؤرخ عراقي

www.sayyaraljamil.com