الهوية كبناء إيديولوجي متجذر في النفس، تأخذ حجمها ووزنها بقدر التمسك بها والاعتزاز بوجودها، وتسبغ على السلوك والتصرفات صبغتها، بقدر تغلغلها في نفس صاحبها وحرصه عليها.

والهوية كما لا يخفى على أحد، تأخذ حساسيتها من قربها من ثقافة المجتمع، واقترابها على نحو لصيق بكيانه وبنيته الاجتماعية ووزنه الحضاري، فهي في بنائها وجذورها وأغصانها شجرة يتفيأ ظلالها أبناء الوطن.

ويأخذون من ثمارها ما يعزز مواطنتهم وأصالتهم، ويتنسمون من أريجها ما يعطر ذكرهم بين الأمم ويعطي سمعة الوطن وأبنائه ما تستحق من المكانة والوجود، إلا أنها في المقابل لن تكون في حال التعاطي اللين معها، إلا رداءً ثقيلاً وقيداً مزعجاً يتحين صاحبه أدنى الفرص للخروج من أسره وربقته، والانطلاق في عالم اللاهوية واللاأعراف المترامي الأطراف.

نقول هذا الكلام ونحن نعيش في أيام السفر والارتحال إلى شرق الأرض وغربها، لا سيما من أبناء الإمارات خصوصاً والخليج عموماً، نظراً لظروف الطقس القاسية هذه الأيام التي تدفع الأسر والشباب للبحث عن بقاع الأرض ذات الطقس اللطيف، لأخذ قسط من الراحة والتزود لعام جديد من العمل والعطاء ومكابدة الحياة.

والحقيقة أن هذا الأمر إلى هذا الحد لا يشكل أدنى حرج أو مشكلة، فهو أمر فطري طبيعي، إلا أنه يأخذ منحى مسؤولاً حين يكون السفر باباً للاعتداء على جذورٍ وأصولٍ تعب الآباء والأجداد في غرسها والدعوة إليها، ليبادر أناس غير مسؤولين إلى تمزيقها وإعطاء صورة مشوهة عن أبناء الوطن وعاداته وتقاليده.

فمما يؤسف له أن بعض المسافرين من أبناء منطقتنا أو بلدنا، حين يخرجون إلى بلاد الآخرين ينسلخون من أي التزام أخلاقي أو قيمي، بل يعتبرون أن السفر انعتاق من هذه الالتزامات تحت دعاوى الحرية الشخصية، ولا يعلمون أن التجني على هيكل الهوية والأصالة شيء فوق الحرية الشخصية، لما يمثله من اعتداء على ثقافة مجتمع لا يملك منها أحد أفراده إلا الحفاظ عليها بالجملة قدر الإمكان، من دون المساس بها.

هذا الذي نقرره من تجاوزات البعض وعدم السماح بها، ليس دعوة إلى الحجر السلوكي أو تقييد تصرفات الأشخاص، بل لا يخرج عن نطاق حماية المكاسب العامة التي نفخر بها، والتي تعد إرثاً نعتز بالحرص عليه وصونه، وندعو العالم ليطلع عليه، ونقدمه نموذجاً إنسانياً وسلوكياً اجتماعياً يعبر عن ذاتنا وشخصيتنا بين الأمم، ويمنحنا الخصوصية القيمية والإنسانية التي تنسحب على إنجازاتنا وتعاملنا مع مكتسبات الحضارة والنهضة.

فهي منظومة أخلاقية حرص القادة في الإمارات والخليج عموماً على تثبيتها والدعوة إليها، بشكل متوازٍ مع الدعوة إلى النهل من معين الحضارة وولوج أبوابها وسلوك طرقها، ثم يأتي من يخرج باسم أبناء المجتمع ليكون نموذجاً غير مشرف عن جميع أبناء الوطن الغيورين على اسمه وسمعته.

ولو تأمل كل مسافر مغترب من أبناء الوطن، طال اغترابه أو قصر، في جوهر شخصيته الاجتماعية، لعلم أنه سفير ثقافي ينقل الصورة الحية عن واقع المجتمع ككل، ويمثل شريحة ممتدة من أبنائه وأفراده، ليكون في كنف أمانة هذه السفارة الأخلاقية لا يخلع عباءتها ولا يتنصل منها.

فهي سفارة قِيَمية ينبري للمسؤولية عنها كل من حزم حقائب السفر وغادر أرض الوطن، يستحضر في كل لحظة من رحلته جهود المخلصين من الآباء المؤسسين والقادة الحريصين على بناء الوطن الغيورين على سمعته، الباحثين عن كل ما يعلي من شأنه ويؤكد مكانته بين الأمم.

جانب آخر لا بد من تسليط الضوء عليه، يتصل بهذه المسألة ويدور في فلكها، ألا وهو التزام أبناء الوطن المسافرين بخصوصيات المجتمعات الأخرى، واحترام ثقافتهم وعدم المساس بها، لأن هذا من أبسط أبجديات السيرة الحسنة لشعب يحترم الآخر ويسعى إلى التواصل معه، على أرضية من الثقة والتعامل الراقي.

فمضايقة أبناء المجتمعات الأخرى بأي شكل من أشكال الإزعاج مهما صغرت، ينعكس على سمعة أمة بأكملها، ويرسخ الكثير من الصور السلبية التي يكون المجتمع في أكثرها بريئا منها ولا تمت إليه بأدنى صلة، وكم سمعنا عن صفات أخلاقية معروفة عن مجتمعاتنا في الخارج، كنا نستهجنها أكثر من أبناء الدول الأخرى ولا نعلم لها في مجتمعاتنا وجوداً، وللأسف كان بعض أبناء الوطن من المرسخين لها المعبرين عنها.

هي إذاً أمانة أخلاقية ربما لا يسألك عنها محاسب أو رقيب، إلا أن من سيخاصمك فيها على مرّ الزمان، هم أجيال من أبناء المجتمع أقل ما يفرضه التزامنا نحوها أن نصون سمعتها.

مديرة تحرير مجلة «بنت الخليج»

nooraalswidi@yahoo.com