قد يبدو للوهلة الأولى أن الغضب تجاه تجريف المقابر الإسلامية في القدس المحتلة نوع من ترف المواقف وتضخيم في غير محله، على أساس أن الكيان الإسرائيلي المحتل لم يرحم الأحياء وشره لم يترك أحداً، بل هو تفنن في إجرامه تجاه طرد الفلسطينيين من أرضهم من خلال قطعان المستوطنين المسعورة وبعدوانية من الآلة العسكرية الظالمة وبأبلغ مدى في القسوة، كما انه مستمر في تهويد الأرض ولو امتلك القرار لما ترك حجراً على حجر إلا حوله إلى هوده من اجل إقامة الدولة العنصرية على كافة فلسطين.

لذا يأتي تجريف مقابر الأموات وكأنه نزهة في ظل الواقع الذي تعيشه القضية الفلسطينية في أكثر من مكان وعلى أكثر من اتجاه، وفي ترد عربي واضح ليس ثمة حاجة إلى تدليل على تهافته في التعامل مع هذا الصلف الصهيوني المتمادي مستثمرا حالة الضعف التي تعاني منها الأطراف المعنية بالتصدي للأطماع الإسرائيلية.

قوة الاحتلال وعقيدته تواصل إجرامها وها هي تستأنف ما بدأته من هدم لعشرات المقابر في جنح الظلام من اجل تجريف مقبرة «مأمن الله» في القدس وهي مقبرة تاريخية تضم رفات الآلاف من الصحابة والتابعين والعلماء، وكانت مساحتها تبلغ 200 دونم لم يتبق منها سوى 20 دونماً.

بسبب المشاريع الإسرائيلية التي نفذت عليها حسب تصريح الشيخ عكرمة صبري خطيب المسجد الأقصى، في حين أن جهات الاحتلال تمارس طغيانها، مشيرة إلى أن الهدف من إزالة المقابر هو إقامة «متحف التسامح بين الأديان»، ويا لها من مفارقة تحمل الكثير من السخرية المؤلمة التي تضرب أوتار القلب بمقامع من حديد في تصرف حاقد يعكس في جانب منه عقيدة صهيونية متمكنة تعيش حالة من الانتعاش والتمادي على حساب التردي والهوان العربي.

وتمضي جرافات الصهاينة في غيها، وهي بذلك إنما تقرع أفئدة أصحاب الضمائر في الأمة العربية والإسلامية، أولئك الذين يحملون نبض الانتماء إلى القدس وأكناف القدس ويتألمون لما آلت إليه الأحوال وهي كما سطرها احدهم:

بَكى مِن قَهريَ القَهر***وأشفَق مِن فَمي المر

وسال الجمر في نَفسي***فأحرق نَفسه الجمر