لنتصور الأمر على نحو آخر: فور إعلان نتائج الانتخابات التشريعية في العراق في إبريل الماضي، يعلن رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي قبوله بالنتيجة، ويهاتف منافسه إياد علاوي مهنئاً.

يمضي المالكي أكثر ليخرج على شاشات التلفزة ويعلن للعراقيين احترامه لنتيجة الانتخابات، متجاوزاً أية اندفاعات من قبل أنصاره للاحتجاج على شبهات تزوير أو ما شابهه، ومتجاوزاً المشاعر البدائية في رفض الخسارة المتأصلة فينا، ويبدأ في تسليم السلطة بشكل سلمي وسلس لزعيم الكتلة الفائزة لتشكيل حكومة جديدة، وينتقل هو إلى صفوف المعارضة في البرلمان. بل ويشكل حكومة ظل في البرلمان.

لو فعل المالكي هذا، لكان قد اختط لنفسه مكاناً بارزاً في قائمة الزعماء السياسيين الاستثنائيين، ولكان قد حظي باحترام واسع يتجاوز العراق إلى الدول العربية، بل إلى العالم أجمع، ولأصبح نموذجاً جديداً من القادة السياسيين في المنطقة. ومن المؤكد أنه لو فعل هذا، لضمن فوزاً ساحقاً في الانتخابات المقبلة، أياً كانت إنجازات الحكومة التي سيقودها علاوي.

سيضمن ذلك لا من باب التمني، بل لأن إنجازه سيكون فريداً واستثنائياً على الأرض؛ فهو سيثبت أنه ليس من صنف أولئك الزعماء المتهافتين على السلطة بأي ثمن، ممن ابتليت بهم دولنا ومجتمعاتنا على مر عقود.

وسيكسر قاعدة سائدة (باستثناءات قليلة) في تاريخ طويل مليء بالمرارات والفشل، أي سيصبح زعيماً نادراً لأنه سيكسب احترام خصومه أولاً، وتالياً سيعلم أنصاره وناخبيه أن إرساء الديمقراطية يتطلب تضحيات. تضحيات بالنوازع الأنانية في رفض الخسارة ومقاومتها، حتى لو تطلب الأمر تخريب الديمقراطية نفسها.

لكن المالكي لم يفعل هذا، بل إن كل ردود فعله منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات وحتى اليوم، أثبتت بجلاء أنه لا يختلف كثيراً عن أولئك الزعماء المتهافتين على السلطة بأي ثمن، الذين ابتليت بهم بلداننا العربية.

ومن المؤكد أن رصيده وسجله كزعيم سياسي قد تضاءل كثيراً، وفرصه المستقبلية للعودة إلى الحكم من جديد قد تلاشت. فهو لم يأت بجديد ولم يثبت أي جدارة استثنائية تميزه عن الآخرين، لهذا فإن أكثر ما سيتردد على ألسنة العراقيين والعرب وغيرهم، هو سؤال مرير: ما الفارق إذاً بين صدام حسين وبين من جاؤوا بعده؟

إنه وجه من طبقة سياسية كاملة في العراق، لا يبدو أن ترسيخ الديمقراطية في حسبانها بقدر ما يهمها الاستحواذ على السلطة. طبقة أثبتت حتى اليوم أن علاقتها بالديمقراطية علاقة انتهازية إلى حد بعيد، مثلها مثل باقي النخب السياسية العربية. بالنسبة لهذه الطبقة والنخب، فإن الديمقراطية مرغوبة طالما أنها تعمل لصالحها، ومرفوضة تماماً ويمكن أن تنقلب ضدها طالما أنها تعمل لصالح الآخرين، حتى في ظل عملية سياسية سلمية وانتخابات شفافة.

المفارقة جلية في علاقة هذه الطبقة السياسية بالديمقراطية، فمنذ إعلان نتائج الانتخابات وحتى اليوم، لم يعلن مسؤول عراقي واحد ولا زعيم حزبي أو ديني، أن إرساء الديمقراطية هو الأولوية. عوضاً عن هذا، غرق جميع رموز وقيادات هذه الطبقة السياسية بجهود حثيثة، في المناورات الحزبية وبناء التحالفات. وإذ بدأ هؤلاء بالتشاور مع دول الجوار، تطور الأمر من التماس الحلول لأزمة تشكيل الحكومة، إلى ما هو أبعد: مجلس الأمن.. وتالياً استطلاع رأي المرجعية الدينية.

هكذا، فان كل ما يفعله هؤلاء هو هروب إلى الأمام، ومحاولة استصدار حل من خارج مرجعية الدستور العراقي نفسه. فجميع هذه الخيارات موضع انقسام أصلاً بين العراقيين، واللجوء إلى مثل هذه الخيارات، ناهيك عن دوافعه الاحترابية، يعني أن السياسيين العراقيين لا يستطيعون تدبر أمور الحكم في بلادهم، وليسوا أهلاً لمسؤولية قيادة بلد وشعب كامل.

كل هذا والمرجعية الأساسية التي يتعين أن تحكم جميع العراقيين وسياسييهم، قائمة وموجودة وهي الدستور العراقي، ومعه أيضاً القضاء العراقي. المفارقة الأخرى، هي أن هذا الدستور تمت المصادقة عليه في استفتاء شعبي وبات ملزماً للجميع.

هنا، لا بد أن يطرح التساؤل المرير نفسه: ما هي مرجعية العملية السياسية في العراق التي يتعين أن يخضع لها الجميع؟ هل هي مجلس الأمن؟ أم دول الجوار؟ أم المرجعية الدينية؟ لمن الكلمة النهائية التي يتعين أن يحترمها الجميع: للدستور العراقي أو القضاء العراقي (في حال الاختلاف في تفسير الدستور) أم لدول الجوار أو المرجعية الدينية أو مجلس الأمن أو سلطة الاحتلال؟

ذلك السيناريو الذي لم يحدث، يحتاج لقادة وزعماء استثنائيين من بناة الأمم. وما يجري في العراق منذ 2003 وحتى اليوم، يثبت أن هؤلاء ما زالوا مفتقدين بشدة، لا في العراق فحسب، بل في غالب بلداننا ومجتمعاتنا.

وإذا كان التاريخ قد أثبت شيئاً، فإنه أثبت أن الدكتاتورية تماماً مثل الديمقراطية، تنمو بالممارسة والتدرج أيضاً. فإذا كانت الديمقراطية تحتاج إلى إيمان حقيقي وممارسة متواترة وتطوير مستمر، فإن الدكتاتورية بالمثل تنمو بالتواتر أيضاً مراكمة الممارسات، بل الإيمان أيضاً. وليس من طريق للإيمان بالدكتاتورية لدى عامة الناس، سوى مراكمة الخيبات من الديمقراطية، تماماً مثلما هو جار الآن في العراق.

كاتب وصحافي بحريني

mfadhel@batelco.com.bh