تبدو رهانات الرئيس الأميركي باراك أوباما جريئة، عندما يتمسّك بالوفاء بما وعد فيه. وكان قد أكّد أمام مؤتمر قدماء المحاربين في اتلانتا يوم 2 أغسطس الجاري، أنه سوف ينفّذ ما وعد به أمام قوات المارينز في معسكر لوجون يوم 27 فبراير 2009، أي بعد تسلّمه مهام منصبه بفترة قصيرة، عندما قال: «إن المهمة القتالية الأميركية في العراق» سوف تنتهي بتاريخ 31 أغسطس 2010.

كان يوجد في العراق عند وصوله إلى السلطة 144 ألف جندي، ولن يبقى منهم ما بين سبتمبر 2010 وديسمبر 2011، أي في الموعد المرتقب للرحيل النهائي لقوات الحملة العسكرية، سوى 50 ألفا، وستكون مهمّة هؤلاء هي «دعم وتدريب قوّات الأمن العراقية».

الوقت الحالي لا يبدو أنه الأكثر مناسبة لمغادرة العراق. وشهر يوليو الماضي كان الأكثر قتلا منذ عامين (على الأقل 222 قتيلا حسب الجيش الأميركي، و535 حسب المصادر الصحافية).

وعمليات القاعدة تتكاثر من جديد في العراق، والبلاد لم تتمكّن من تشكيل حكومة بعد انتخابات 7 مارس الماضي، والاقتصاد ضعيف بينما لم يصل إنتاج النفط إلى مستوى ما قبل الحرب. والبرهان على أن الثقة لم تستعد، هو واقع أن 1,8 ملايين عراقي يعيشون دائما في الخارج.

ورغم هشاشة الوضع، فإن باراك أوباما، الذي كان قد عارض بشدّة غزو العراق عام 2003، وانتقد إرسال قوات إضافية إليه عام 2007 كانت قد ساهمت في التهدئة وحدّت من عمليات القاعدة، أمر باحترام الجدول الزمني المعلن في معسكر لوجون. وجدد القول إنه ليس للولايات المتحدة «أيّة مطامع» لاحتلال العراق أو في «ثرواته».

لكن هناك مفارقة في القناعة الراسخة لدى أوباما، بأن أميركا قد أخطأت جزئيا بعد 11 سبتمبر بحربها، ذلك أن رهان الانسحاب من العراق، جرى استكماله في الواقع برهان زيادة القوات الأميركية في أفغانستان. ونفس الشخص، الجنرال دافيد بتراوس، القائد الأميركي في كابل اليوم، هو الذي تولّى القيادة أثناء زيادة عدد القوات في العراق.

الرهان جريء، إذ ليس هناك ما يشير إلى أن إرسال دعم إلى أفغانستان سوف يؤدي، كما حدث في العراق، إلى تحجيم نشاط المتمرّدين من طالبان، المتواجدين في باكستان والحلفاء للقاعدة.

وكان أوباما قد بدأ فترته الرئاسية بتحديد المشكلة بوضوح، وهي أن الانسحاب من العراق ينبغي منه أن يسمح بتكثيف المعارك ضد القاعدة، ليس في أفغانستان وحدها ولكن في منطقة تشمل أفغانستان وباكستان.

هذه الاستراتيجية أعطت ثمارها، وتمّ توجيه ضربات قاسية للقاعدة في باكستان. كما يبدو أن إسلام أباد تصحح شيئا فشيئا من اللعبة المزدوجة التي تعود لحقبة بوش (كما دلّت الوثائق السرّية التي جرى نشرها مؤخرا).

بقي القول إن حضور الحلف الأطلسي في أفغانستان، لم ينجح حتى الآن في النضال ضد القاعدة. بل على العكس، إنه يشكّل حجّة لتقاطر المتمرّدين، ويصبغ الشرعية على انتفاضة طالبان، في نظر سكان تائهين في خضم ثلاثة عقود من الحرب.