مباشرة أو غير مباشرة، كل ظروف الملعب واللاعبين متوفرة لتتوجه الكرة إلى خارج المرمى، ومرة أخرى لا هدف.سواء تحققت الانباء عن قبول السلطة الفلسطينية، متدثرة برداء الجامعة العربية، أم لم تقبل الدخول في مفاوضات مباشرة.

فإن هذه المحاولة الاميركية الجديدة بمثابة إعلان فشل لادارة الرئيس باراك اوباما، الذي حمله لواء التغيير إلى سدة البيت الابيض، فوجد نفسه في دوامة الأزمة المالية العالمية، التي ابتلعت غالبية خطط التغيير والويته حتى.

بما أن الحَكم الاميركي فقد الرؤية والبطاقات الصفراء والحمراء، فان الحقيقة السياسية تفرض على الحكم أن يعود قليلا إلى تقاليدنا التي اعترف واعتز بها في جامعة القاهرة، ليعلن أن «رحم الله امرءا عرف قدر نفسه»، بدل التكتيكات المفرطة واللف في زاوية الملعب المفرغة.

ليعلن أوباما أن الدور الاميركي فقد قدرة تأثيره وغدا ليث البيت الابيض دون أنياب طحنتها الأزمة الاقتصادية، ودفعت إدارته إلى التخلي عن عدد من القواعد العسكرية المنتشرة في اوروبا وآسيا.

نعم، على الادارة الاميركية أن تعترف بأزمتها قبل محاولة حل أزمات الآخرين، رغم ارتباط الأزمات الأخيرة مباشرة بمصالح العم سام الحيوية.

فلا الترتيبات تنفع في إعادة الأمور إلى نصابها في العراق، ولا الخطط سلمت من عصي العجلات في افغانستان، وجنوب لبنان فشلت اسرائيل في مهمة ترتيبه، رغم محاولات كوندوليزا رايس المحمومة في توفير الغطاء.

حتى ان قطاع غزة سار على درب الجنوب اللبناني تحت مرأى ومماحكة الاستراتيجية الاميركية في المنطقة، وإذا أرادت الإدارة هذه أن تكون أكثر قربا من الحقيقة، فستعترف بان لعبة عض الأصابع مع إيران تميل إلى غير صالح صرختها المتأخرة، فالتسللات التكتيكية في الساحات الآنفة تثبت ذلك للجميع.

إذا كانت الحال هذه، وهي كذلك، فأية قوة تأثير تمتلك الإدارة الأميركية لحل أعقد الأزمات في الشرق الأوسط، التي لطالما احتلت وصف القضية المركزية للمنطقة، وهي العاجزة عن ترتيب ساحات أقل أهمية وتعقيدا! إذن، ما المغزى من هذا الضغط لفرض مفاوضات مباشرة بين السلطة الفلسطينية وحكومة بنيامين نتانياهو، بوصفها مجازا يمينية عاندت تاريخيا وعجزت أحيانا، عن تنفيذ المهام الموكلة إليها اميركيا، بخلاف حكومات «العمل» واليسار مجازا؟

إذا كانت المفاوضات المباشرة خرجت بخفي حنين من «كامب ديفيد» في حقبة القوة الاميركية الشاملة، ومن دون منغصات ايرانية، وكانت حينها متوفرة كل الضمانات للطرفين، إلى حد غرق إدارة بيل كلينتون في تفاصيل الخرائط والخطط، فكيف الحال الآن في ظل فقدان كل ذلك؟!

نتانياهو الذي تعرفه الادارات الاميركية بالذكاء المعاند، نجح في استثمار الضعف الاميركي في تطوير مكانة اسرائيل إلى الند، بدل الذراع الاميركية الشرق أوسطية، رسخ في عمق العلاقات الدبلوماسية بين الحليفين، تكتيك المساومات، فلا أي خطوة باتجاه الرغبة الأميركية دون ثمن، وكما هو منشور فان الملف الذي يستأثر باهتمامات تل ابيب هو «النووي» الإيراني.

وعليه، علينا أن ننتظر نتيجة هذه المساومات والمقايضات لنعرف حدود التقدم في الملف الفلسطيني، وعلى الطرف الفلسطيني نفسه أن يعرف قدر نفسه في ظل التوزع الطاحن بين نهجين: التخلي التام عن كل أشكال المقاومة من جهة، وتأجير هذه المقاومة لقوى إقليمية من الناحية الأخرى، وبالتالي اعتبار المفاوضات المباشرة المفروضة جولة أخرى، ليست بأهمية الالتفات إلى العامل الداخلي وإزالة مظاهر ضعفه، لتتمكن ولو مرة واحدة من مساومة اوباما أو حتى مفاوضته.