كانت النملة تُعِدّ نفسها لصباح رائق بعيد عن التوتر، بعد الفترة العصيبة التي عاشتها خلال الشهور الماضية. لذلك اختارت لنفسها ركنا هادئا في أحد «الكافيهات» الشهيرة، وطلبت فنجانا من «الكابتشينو» بنكهة الكاكاو.

لكنها ما إن أمسكت بالصحيفة التي وجدتها أمامها على الطاولة، حتى قفزت من مكانها وهي تهتف على طريقة عميد المسرح العربي يوسف وهبي: «يا للهول!»، إلى الدرجة التي لفتت انتباه رواد «الكافيه» الذين قابل بعضهم قفزتها بابتسامة حملت شيئا من الاستغراب، بينما حاول البعض الآخر تجاهلها تفاديا لإحراجها، وإن ظل ينظر إليها من طرف خفي بدافع الفضول.

كان عنوان الخبر الذي صدمها على الصفحة الأولى من الصحيفة يقول: «184 جنسية عاملة في القطاع الخاص مدرجة لدى وزارة العمل.. المواطنون يشكلون 24 .0% منهم». فكرت النملة لبرهة في ترك «الكافيه» والهرب إلى أي مكان آخر.

لا تقرأ فيه صحفا ولا تسمع فيه برنامج بث مباشر يرفع ضغطها في إذاعات المملكة، التي أصبحت ملجأ لتنفيس أصحاب المشاكل عما تضيق به صدورهم وتنوء بحمله كواهلم، لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة وسلمت بأن قدرها أن تعيش قضايا أهل المملكة وترصد مشاكلهم، علّها تستطيع هي وأمثالها من حاملي هموم الوطن الإسهام في تصحيح المسار، أو الحد من اندفاع التيار.

أما تفاصيل الخبر فتقول إن قاعدة بيانات وزارة العمل في مملكة النمل، أظهرت أن هناك 4 ملايين و280 ألف عامل ينتمون إلى 184 جنسية، يعملون في القطاع الخاص في المملكة، بينما يبلغ عدد النمل العامل في هذا القطاع نحو 10 آلاف و300 نملة، مما يعني أن نسبة النمل تشكل 24 .0% من مجموع عمالة القطاع الخاص، في حين تبلغ نسبة الجراد وحدها 7 .88% من مجموع هذه العمالة.

الأمر الذي يعكس الواقع المرّ الذي يعيشه مواطنو المملكة في مجال العمل الخاص، الذي لا تفرض فيه قوانين المملكة حصصا للنمل إلا في ثلاثة قطاعات؛ هي قطاع المصارف المفروض عليه نسبة 4% سنويا، وقطاع التأمين المفروض عليه نسبة 5% سنويا، وقطاع التجارة المفروض عليه نسبة 2% سنويا.

وهي نسب متدنية يعرف المسؤولون في المصارف وشركات التأمين وقطاع التجارة كيف يحتالون عليها ليهربوا من المساءلة، ويبقى الحال على ما هو عليه، وعلى العاطلين عن العمل من أبناء المملكة انتظار معارض التوظيف السنوية وطرق أبواب هيئات التنمية ومجالس التوطين، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

ما إن انتهت النملة من قراءة الخبر حتى كان النادل قد أحضر فنجان «الكابتشينو» الذي طلبته، فوضعت فيه ملعقة من السكر كعادتها، لكنها شعرت أن طعمه ما زال مُرّاً، فأضافت ثانية ثم ثالثة لتكتشف أن المرارة ليست في الفنجان وإنما في حلقها هي! ظنت النملة لبرهة أن سبب المرارة هو ما آل إليه حالها بعد الخروج الحزين من دائرتها، لكنها تذكرت قصة الفأر والمصيدة التي أرسلها لها قارئ من «مملكة القوارض» غداة نشرها لقصة طردها من الدائرة، فقررت أن ترويها لكم من باب التسرية عن نفسها وعنكم.

تقول القصة: كان اللعاب يسيل من فم الفأر وهو يشاهد صاحب المزرعة وزوجته يفتحان صندوقا أنيقا، ويمنّي نفسه بأكلة شهية لأنه ظن أن الصندوق يحوي طعاما، لكن فكه السفلي سقط حتى لامس بطنه بعد أن رآهما يُخرِجان مصيدة للفئران من الصندوق، فاندفع كالمجنون يجري في أرجاء المزرعة وهو يصيح: «لقد جاؤوا بمصيدة للفئران.. لقد جاؤوا بمصيدة للفئران..

يا ويلناس! هنا صاحت الدجاجة: «اسمع يا فرفور.. المصيدة هذه مشكلتك أنت، فلا تزعجنا بصياحك وعويلك». توجه الفأر إلى الخروف: «الحذر.. الحذر.. في المزرعة مصيدة»، فتبسم الخروف وقال: «يا جبان يا رعديد، لماذا تمارس السرقة والتخريب طالما أنك تخشى العواقب؟ ثم إنك أنت المقصود بالمصيدة فلا توجع رؤوسنا بصراخك، وأنصحك بالكف عن سرقة الطعام وقرض الحبال والأخشاب».

هنا لم يجد الفأر بدا من الاستنجاد بالبقرة، التي قالت له باستخفاف: «يبدو أنهم يريدون اصطياد الأبقار بها! هل أطلب اللجوء السياسي في حديقة الحيوان؟».

عندئذ أدرك الفأر أن عليه أن يتدبر أمره وحده، فواصل مراقبة المُزارع حتى عرف موضع المصيدة، وذهب لينام قرير العين بعد أن قرر الابتعاد عن مكمن الخطر. ما هي إلا سويعات قليلة حتى شق سكون الليل صوت المصيدة وهي تطبق على فريسة، فهرع الفأر إلى حيث المصيدة ليرى ثعبانا يتلوى بعد أن أمسكت المصيدة بذيله، ثم جاءت زوجة المزارع، وبسبب الظلام ظنت أن الفأر وقع في شر أعماله وأمسكت بالمصيدة، فعضها الثعبان وأخذت تصرخ من الألم.

ذهب المزارع بزوجته على الفور إلى المستشفى، حيث تلقت العلاج وعادت إلى البيت وهي تعاني من ارتفاع في درجة الحرارة، ولأن المسموم بحاجة إلى سوائل، ويستحسن أن يتناول الحساء حسب نصيحة الأطباء، فقد قام المزارع بذبح الدجاجة وصنع منها حساء لزوجته. علم الأهل والجيران بما حدث لزوجة المزارع، فأتوا لتفقد أحوالها وكان لا بد من ذبح الخروف لإطعامهم.

لكن الزوجة المسكينة توفيت بعد صراع مع السم دام عدة أيام، وتدفق المعزون بالمئات، الأمر الذي اضطر المزارع إلى ذبح بقرته لتوفير الطعام لهم. وهكذا ذهب ضحيةَ المصيدة كلٌ من الدجاجة والخروف والبقرة الذين لم يكونوا مستهدفين بها، وكان الوحيد الذي بقي على قيد الحياة، هو الفأر الذي استشعر الخطر وأدرك أن ضحايا المصيدة قد يكونون أكثر مما تصور أصدقاؤه الثلاثة «عليهم رحمة الله»، فاحتاط لنفسه ونجا من الموت.

ملاحظة: يبدو أن النملة ذهبت بعيدا وهي تستعيد القصة التي أرسلها لها الفأر من باب النصيحة وتتخيل ما حدث لأبطالها، محاوِلةً أن تستخلص منها العبرة التي يجب أن يدركها جميع أهل المملكة الذين يحسبون أنهم بعيدون عن الخطر، طالما أن المشاكل التي تحدث قريبا منهم لا تعنيهم، لذلك لم تنتبه للنادل وهو يسألها إنْ كانت ترغب في مشروب آخر، بينما كان فنجان «الكابتشينو» في مكانه كما وضعه في أول ذلك الصباح الذي انتهى على خلاف ما أعدت نفسها له.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com