يبدو أن تسريب موقع «ويكيليكس» وثائق الجيش الأميركي السرية الخاصة بحرب أفغانستان، والتي بلغ عددها أكثر من 90 ألف وثيقة، كان الهدف منه هو الكشف عما كان خافيا بشأن قيادة هذه الحرب.

بالنسبة للذين تابعوا تلك الحرب عن كثب، لن يكون هناك الكثير من المعلومات الجديدة، التي يمكن أن تدهشهم. ورغم ذلك، فان عملية تسريب الوثائق مهمة على مستويين على الأقل.

أولا، خلال ساعات من نشرها على الانترنت، عمقت هذه الوثائق الشعور بمعارضة الحرب الأميركية، لدى الذين كانوا يعارضونها من البداية، إضافة إلى الذين كانوا يراقبون بصبر، ولكن يتنامى لديهم شعور بالريبة، إزاء التكاليف الباهظة لتلك المغامرة، في القفار البعيدة. مثل هذه المشاعر بالاستياء تتزايد حتى داخل الكونغرس. وبصراحة، لا يمكننا أن نحدد موقف الرئيس الأميركي بالضبط من هذه القضية.

قال سكرتيره الصحفي، روبرت جيبس، في اليوم التالي لتسريب الوثائق، إن الولايات المتحدة أرادت ضمان أنه لن يكون هناك ملاذ آمن في أفغانستان، يتم فيه التخطيط لشن هجمات ضد أميركا أو أي دولة أخرى في العالم.

من ناحية، هناك تصريحات مماثلة لكلام السكرتير الصحافي، ووجهات النظر المُعدة بدقة من قبل وزيري الدفاع والخارجية الأميركيين، وعزم الرئيس باراك أوباما على استعادة التركيز الأميركي على أفغانستان التي تحول الانتباه والتمويل عنها، لسوء الحظ، باتجاه العراق، من قبل إدارة بوش.

ومن ناحية أخرى، لم يكن هناك من يحرك الشعب الأميركي على غرار الرئيس فرانكلين روزفلت لدعم قضية «حرب ضرورية»، والتي لا يفهم مغزاها، على ما يبدو، إلا خبراء الدهاء السياسي. علاوة على ذلك، هناك مسألة مزعجة على المستوى التكتيكي، هي إعلان أوباما موعدا لبدء سحب القوات من أفغانستان، في يوليو 2011.

شن الحروب لم يعد كما كان من قبل. عندما خاض روزفلت وونستون تشرشل (رئيس وزراء بريطانيا الأسبق) الحرب، لم يكن عليهما تتبع نتائج استطلاعات الرأي العام يوما بيوم، ولم يكن التلفزيون الصاخب مثل الساحات العامة قد اخترع، ولم يكن الاستياء الذي تسمح به الديمقراطية قد امتد بعيدا ليتخطى حدود البلاد إلى العالم. اليوم، يتعين على الزعماء الوطنيين أن ينظروا باستمرار خلف ظهورهم، وبخاصة عندما يطول أمد حرب معقدة ويصعب توصيف النصر فيها.

ولكن، لنتخيل سيناريو يقف فيه الرئيس روزفلت، عشية يوم إنزال قوات الحلفاء في نورماندي الفرنسية في السادس من يونيو 1944، ليعلن أن القوات ستبدأ الانسحاب ابتداء من، مثلاً، يونيو 1945. شيء قريب من ذلك يحدث الآن في أفغانستان.

المفاوضات بدأت على مستويات عدة للمناورة من اجل حجز موقع في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي. وكما تظهر الوثائق المسربة، فان أذكى اللاعبين في الميدان هي الاستخبارات العسكرية الباكستانية المعروفة اختصارا باسم (آي إس آي)، التي تساعد الأرنب على الاختباء بينما تتظاهر بأنها تساعد كلاب الصيد في مطاردته.

وهذه هي الأهمية الثانية للوثائق المسربة. في حال فرض الرأي العام نهاية متسرعة للجهود الحربية في أفغانستان، فان الرابح الرئيسي في هذه الحرب سيكون هو الاستخبارات العسكرية الباكستانية والجيش الباكستاني.