خلال الشهور الماضية تعرضت مختلف أقاليم شمال القوقاز وجمهورياته لأعمال إرهابية وتفجيرات أودت بحياة العشرات من المدنيين وعناصر قوات الأمن الروسي، وكرست حالة الاضطراب الأمني والرعب والخوف لدى الأهالي والمقيمين في مناطق القوقاز الشمالي.

ومن اللافت أن الأعمال المسلحة توسعت خلال الشهور الأخيرة لتشمل أيضا أنجوشيا وداغستان، ما أسفر عن اضطرابات واسعة، لم تقتصر على تفجير المباني الحكومية ودوريات الشرطة، وإنما أدت أيضا لحركة اغتيالات طالت رئيس جمهورية أنجوشيا وبعض وزراء أقاليم شمال القوقاز.

وإذا كان العامل الخارجي في هذه الصراعات يلعب دورا مؤثرا، فلا شك ان هذا التأثير تراجع خلال الأعوام الماضية بعد أن فقد الانفصاليون الشيشان جزءا كبيرا من الدعم المعنوي والمادي، ولا يجب دائما إلقاء الاتهامات على العامل الخارجي، بل لابد من التعامل مع الأزمة بشقها الداخلي، الذي يشكل الأساس الحقيقي لاستمرارها.

وقد اعتبر رئيس الحكومة فلاديمير بوتين أن الوضع في شمال القوقاز وداغستان مازال معقدا، ويعاني من مساع لإثارة الاضطرابات، وأضاف أن موسكو ستواصل دعم جهود الإدارات المحلية لإحلال الاستقرار، في كافة المجالات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، بما في ذلك العمل على توفير فرص عمل جديدة وحلول جذرية للمشاكل الاجتماعية.

وطالب بوتين الحكومة والإدارات المحلية في شمال القوقاز بوضع خطة تستهدف توفير ما لا يقل عن 400 ألف فرصة عمل خلال 10 سنوات في منطقة شمال القوقاز، استنادا لقناعته بأن مشكلة البطالة تشكل عاملاً رئيسياً لنزوع الشباب للتطرف، وحلها يساعد على إفشال عمليات استقطاب شباب القوقاز للانضمام للجماعات المسلحة بسبب البطالة وانعدام الدخل اللازم لإعاشة أسرهم، خاصة أن معدلات البطالة شهدت ارتفاعا ملحوظا في شمال القوقاز بين الشباب.

ورغم أن موسكو قد خصصت لأقاليم شمال القوقاز خلال السنوات العشر الأخيرة أكثر من 800 مليار روبل(ما يعادل 6 .2 مليار دولار)، إلا أن الطابع الاقتصادي المحلي هناك لم يطرأ عليه أي تغيير، وما زالت هذه الجمهوريات تعاني من أزمات اقتصادية حادة ومن ارتفاع معدلات البطالة فيها، التي بلغت في الشيشان أكثر من 30 بالمائة، وفي انجوشيا حوالي 50 بالمائة، ما يشكل بيئة خصبة لنمو التطرف والإرهاب هناك.

وربما يشكل حصول الشيشان على ترخيص لإنتاج النفط فرصة لحل المشاكل الاقتصادية، إذ إن نقل رخصة استخراج النفط في الشيشان من شركة «روس نفط» إلى مؤسسة «غروز نفط غاز» الواقع مقرها في العاصمة الشيشانية جروزني سيحقق عائدات لخزينة حكومة الشيشان، إضافة إلى ما تحصل عليه اليوم من إيرادات بيع النفط الشيشاني. إلا أن الحكومة الحالية لم تتمكن من النهوض بالوضع الاقتصادي في الشيشان، ولا يختلف الوضع كثيرا بالنسبة لجمهوريات أنجوشيا وداغستان.

وإذا كان الكرملين قد تعامل مع الجانب الروحي والثقافي من مشكلة شمال القوقاز، حيث تركز اهتمام الحكومة الروسية على رعاية مصالح المسلمين الروس، واحترام عقيدتهم وحريتهم في اداء الشعائر الدينية.

ودعمت حركة تشييد المساجد وتأسيس المؤسسات التعليمية الإسلامية، وأنشأت وسائل إعلام وقنوات تلفزيونية إسلامية روسية، انطلاقا من قناعتها بأن احترام حقوق المسلمين هو السبيل لإحلال الاستقرار في المجتمع الروسي، واستنادا لقناعة الرئيس ميدفيدف بضرورة ترسيخ هيبة زعماء المسلمين حتى يتم التغلب على المشاكل الموجودة في شمال القوقاز، عبر تنشيط العمل في مجال شرح قيم الإسلام الأصيلة والتعليم الديني في وسائل الإعلام، والتصدي للأفكار والمتطرفة.

فإن هذا الجهد المعنوي والثقافي يحتاج إلى أن يترافق بحلول لمشاكل السكان الاقتصادية والمعيشية، وإلا لن يحقق النتائج المرجوة. وستكون البطالة الأداة التي تدفع الجيل الشاب نحو الجماعات المسلحة، طالما توفر لهم هذه الجماعات الدخل اللازم لإعالة أسرهم.

ويبقى بند أخير وهام، وهو اختيار قيادات سياسية شريفة ونظيفة اليد وذات سمعة طيبة، وتسعى بروح وطنية للنهوض بشمال القوقاز، ولا شك أن دور الرئيس الشيشاني رمضان قديروف في إنهاء الجماعات المسلحة كان فعالاً وضرورياً.

إلا أن أساليب حكومات جمهوريات شمال القوقاز في إدارة الأمور، وانتشار الفساد داخلها يتطلب إجراءات حازمة وحاسمة من موسكو، حتى لا يشعر السكان بأنهم أمام خيارين أحلاهما مر، خاصة أن الدمار الذي يسببه المسلحون لا يختلف كثيرا عن حالة الأزمة الاقتصادية والقمع التي يعاني منها أبناء شمال القوقاز.

خبيرة الطاقة الروسية

jannamarat@km.ru