ينساب النيل مخترقاً قاهرة المعز، فيما يصطف عشرات الألوف على ضفتيه بحثاً عن نسمة هواء في ليلة صيفية خانقة الحرارة، بعد ان تبدلت الأيام، وأحدث تغير المناخ مفعوله، فلم تعد ليالي القاهرة كما كانت طرية، حانية على عشاق أدمنوا سهرها في أزمان خوالي.

سخونة الطقس على الشاطئ كانت أكثر تأثيراً، على الجالسين على مقاهي وسط المدينة التي تحولت شوارعها الجانبية، وممرات البنايات الشاهقة إلى أماكن لتجمع الفارين من خنقة جدران المنازل التي يبدو انها ضاقت بساكنيها، مع تعاظم رقعة عاصمة يقطنها نحو 16 مليوناً في أقل التقديرات.

ومن ممر إلى شارع جانبي، تناثرت المقاعد هنا وهناك، بعض الوجوه جاء لقسط من الراحة، والتقاط الأنفاس بعد ان أنهكتها رحلة يوم عمل شاق، لكن وجوهاً أخرى لها مع المكان علاقة توطدت من كثرة التردد عليه، فبدت وكأنها جزءاً منه، لا يضلها، ولا تخطئ هي معرفة حالته المزاجية، بعد ان علم كل منهما صاحبه.

ومع توالد المقاهي القاهرية كالأرانب، كان منطقياً ان تتوارى مقاه تقليدية هجرها البعض، إلى أخرى لا تحمل ذات الأسماء الرنانة، وان بقيت الوظيفة ذاتها، في جمع مئات المثقفين حول موائدها، لقضاء وقت مستقطع من صخب الحياة اليومية، والتنفيس عن الذات عبر ثرثرة لا تخلو من الانفعال، واحتدام النقاش في مختلف محطاتها.

وقبل أيام ـ وانتهازاً لعطلة صيفية في ربوع المحروسة ـ قادتني قدماي إلى جلستين على مقهيين مختلفين في ليلة واحدة، للقاء بعض الأصدقاء والزملاء، ممن أرهقتهم مهنة البحث عن المتاعب، وأضناهم الهم العام، والانشغال بقادم الأيام في بلد يشهد حراكاً سياسياً، وينتظر انتخابات برلمانية ورئاسية، محط اهتمام الداخل والخارج.

في الجلسة الأولى التي ضمت مجموعة تتشارك الانتماء لفكرة واحدة تقريباً، تنوع النقاش، وتشعب الحوار بين عناوين تفرض نفسها على المرحلة، عن الانتخابات وضمان نزاهتها، والتحالفات المنتظرة، ودعوة بعض الأطراف إلى المقاطعة، وجدوى تلك المقاطعة، في ظل ضعف قدرات وحجم تأثير الداعين إليها. وعلى وقع رشف أكواب الشاي والقهوة، راح كل يدلي بدلوه، يقوده شعار التغيير الذي بات يعلو كل الشعارات، سواء من داخل المعارضة وحتى وسط جنبات الحزب الحاكم، الذي يبدو انه يسعى إلى تفويت الفرصة على استغلال المعارضة لهذا الشعار البراق.

وعلى بعد خمسين متراً من هذه الجلسة، كان الحوار على مقهى آخر أكثر سخونة، وقد ضم مجموعة أكثر تنوعاً من حيث المشارب الفكرية والانتماءات السياسة، لكن الموضوع كان ذاته، وان اختلفت التفاصيل.

فالانتخابات بشقيها البرلماني والرئاسي، كانت حاضرة بقوة، والرغبة في التغيير، جرى التعبير عنها على غالبية السن المتحدثين الذين جلس وسطهم عدد من الشخصيات العامة محترفة العمل السياسي.

حديث التغيير الذي جمع بين الجلستين، وان بدت الحماسة على الداعين إليه، غاب عنه للأسف، آليات الوصول إليه. الكل لديه البراعة الكافية لشرح أسباب ومبررات الدعوة إلى التغيير، لكن كيفية امتلاك أدوات هذا التغيير بدت مشتته أحياناً، وغير منطقية في بعض الأحيان، فتارة يعول البعض على حملات جمع التوقيعات التي يتبناها بعض الساعين لخوض الانتخابات الرئاسية، وتارة يرى البعض الآخر في حركات الاحتجاج المتناثرة هنا وهناك، لأسباب فئوية، وليست عامة، مفتاح الولوج إلى التغيير المنشود.

والاهم من ذلك كله ان ثرثرة المقاهي، وان عكست آمالاً لغد أفضل يتمناه كل المصريين، إلا أنها كما هو الحال مع الجدل الذي تحفل به وسائل الإعلام وخاصة الصحف، حول الموضوع ذاته، تجري بعيداً عن رجل الشارع العادي الذي يفضل غالبيته الصمت المحير الذي لا تستطيع ان تعلم هل هو التجاهل لما يدور؟ أم كونه نوعاً من الاحتجاج السلبي، على اللعبة برمتها، فيما كل لاعب يزعم لنفسه وصلاً بليلى.