لا شك بأن إصدار الوثيقة المهنية والأخلاقية التي أقرها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والتي تنظم العلاقة بين الموظف في المؤسسات الاتحادية وعمله تعد ظاهرة جديدة في تاريخ مجتمعنا، فهي في حقيقة الحال لا تنظم العلاقة الأخلاقية في العمل العام فحسب بل يمكننا اعتبارها منهاجا حياتيا يستحق النظر والتأمل والدراسة.

قراءة متعمقة ومتأنية في هذه الوثيقة تدل على النهج الذي تتبعه دولة الإمارات في الحفاظ على الصالح العام وفي تنظيم العلاقة الأخلاقية بين الموظف والمؤسسة التي ينتمي إليها ورغبة الدولة في تنظيم تلك العلاقة وتقنينها.

ورد في الوثيقة ملامح كثيرة للنهج الذي تتبعه الدولة وتصر عليه ألا وهو الشفافية والحفاظ على المصالح العامة والمال العام ومكافحة الفساد والرشوة والهدر وتعويد الموظف على تحمل المسؤولية المعنوية وهي كلها صفات يجب أن يتحلى بها الإنسان أينما كان حيث انه بوجودها ترتقي المجتمعات وتتطور.

والملاحظ أن التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي مرت به كل مجتمعات الخليج ابان الطفرة النفطية قد رمى بظلاله الكثيفة على القيم الروحية لبعض الناس. فأصبح منهجهم الحياتي مغايرا للأنماط السائدة من قبل في مجتمعات الخليج التقليدية.

فأصبح الحفاظ على القيم الروحية التي تسير العلاقات بين الناس تحتاج إلى تشريع وقوانين للحفاظ عليها وما ان يغيب القانون حتى تصبح العلاقات بين البشر تحكمها فقط الضمائر والقيم الروحية الشخصية وليس العامة أو مصلحة المجموعة البشرية. هذا التغير في الواقع هو السبب في أننا أصبحنا نحتاج اليوم إلى تشريعات وقوانين ووثائق مهنية وأخلاقية تحكم العلاقة بيننا وبين بقية أفراد المجموعة البشرية التي تشاركنا الحياة في هذا المجتمع الكبير.

في السابق كانت كلمة الشرف هي التي تحكم وتنظم العلاقة بين البشر في مجتمعات الخليج. وكانت الأمانة والشرف هما الميثاق الذي يوثق العلاقات بين الناس فبالتالي لم يكن هناك من يرتشي أو يخلف كلمته لأن ذلك يعني قطع العلاقة بينه وبين أفراد المجموعة البشرية التي يشاركها العيش. وكانت القيم مستقاة من الدين الإسلامي ومن قيم البيئة الصحراوية البدوية التي فرضت على الناس الكثير من القيم النبيلة مثل التضحية والكرم وعدم الإخلال بالتقاليد والقيم الأصيلة المتوارثة.

وكان كل من يخالف هذه التقاليد المجتمعية يتعرض للنبذ من قبل المجتمع وهذا الوضع جعل هناك نوعا من الالتزام الخلقي بالتقاليد المجتمعية وجعل من النادر الخروج عنها حتى لا يتعرض الشخص للنبذ من قبل المجموعة البشرية.

ولكن الانفتاح الذي حصل في مجتمعات الخليج غير الكثير من الأنماط الاجتماعية والروحية والأخلاقية وجعل تلك العلاقة أقل تأثيرا وجعلت الفرد لا يبالي اذا ما تم نبذه اجتماعيا ما دام هو محافظا على وجاهته الاجتماعية المستمدة من المال والسلطة والمركز.

هذا التغير في الأخلاقيات العامة أصبح يستلزم قرارات رسمية وقوانين عامة ووثائق شرف تنظم العلاقة بين أفراد المجموعة البشرية الواحدة وتحكم العلاقة بينهم وهذا في الواقع تغير جذري في تاريخ مجتمعات الخليج هذه المجتمعات التي اعتبرت حتى عهد قريب من المجتمعات التقليدية الملتزمة مقارنة بغيرها من المجتمعات العربية.

ميثاق الشرف الذي أقر مؤخرا يعد سابقة في تاريخ مجتمعات الخليج المسلمة. فتلك المجتمعات يجب أن تكون أقرب إلى التعامل الروحي من غيرها بحكم أن الإسلام الذي ولد على أرضها قد جلب معه الأخلاقيات السامية والتعامل الإنساني الراقي. ولكن تلك الوثيقة تقدم لنا صورة جديدة عما يحدث على أرض الخليج وصورة أخرى عن تطور المجتمعات الإنسانية على وجه العموم.

فقد بدت في هذا المجتمع ظواهر لأشخاص أساؤوا إلى المال العام أو ارتشوا أو حتى أباحوا لأنفسهم امتيازات كبيرة مستغلين وظائفهم العامة معتقدين بأنهم بعيدون عن الرقابة أو المحاسبة. في هذه المجتمعات ظهرت ظواهر غير مقبولة اجتماعيا وأخلاقيا ومهنيا: أصبح هناك من يستغل وظيفته العامة لصالح مصالحه الخاصة ومن يتوانى عن أداء واجباته العامة ومن يسيء إلى المال العام أو يهدره ومن لا يتوانى عن الإخلال بالعلاقات المهنية تلبية لمصلحة ضيقة.

فاستوجب هذا الأمر تشريعا أخلاقيا قبل أن يكون قانونيا. الوثيقة إذا هي ميثاق عمل ونهج اجتماعي عملي ومهني، فهي تحمل الموظف المسؤولية الأخلاقية تجاه عمله وتجاه الإثراء من وظيفته وتجعل الإخلال بواجباته العامة اخلالا بالمصلحة العليا لتلك المجموعة.

ما حملته الوثيقة أيضا يبين على وجه الخصوص واجبات الشخص تجاه عمله من حيث الأخلاقيات العامة سواء الالتزام أو الإيثار أو تقديم المصلحة العامة على الخاصة وجميعها قيم مستقاة من واقع مجتمعات الخليج القديمة ولا يحتاج الأمر إلى تقنيين أو تشريع لو التزم كل فرد بما يأمره به الإسلام أو الديانات السماوية الأخرى أو بما تأمره به القيم المجتمعية المتوارثة.

الوثيقة أيضا تعطي الحق للدولة لمقاضاة كل من يقوم بالإخلال بتلك الواجبات العامة وكل من يسيء إلى عمله أو يقدم على عمل يضر بالمصلحة المجتمعية. وعلى الرغم من أهميتها الا أن هذه الوثيقة يجب ألا تشوه صورة مجتمعنا وتعطي الانطباع بأنه بدونها لن يصلح المجتمع.

فهذه الوثيقة وضعت لأن هناك فئة قليلة خالفت الأعراف المجتمعية وأثرت من وراء مراكزها الوظيفية. ولكن هناك من يلتزم أخلاقيا بأخلاقيات مهنته دون حاجة لقوانين وتشريعات بالوازع الديني والأخلاقي وهو ما ينظم العلاقة بينه وبين أفراد مجموعته البشرية.

جامعة الإمارات

fatimaalsaayegh@hotmail.com