لم يعد للفلسطينيين ، وخصوصا خلال السنوات الأخيرة، من حديث إلا عن الممارسات الاسرائيلية بحقهم، وهي ممارسات تزداد باطراد، والغريب أنه كلما عُرضت الشكاوى الفلسطينية من هذه الإجراءات فإنها تزداد شدة وقسوة. والمتصفح لوسائل الإعلام الفلسطينية يلاحظ أنها مليئة بالتقارير عن تصرفات السلطات الاسرائيلية، التي تتناقض كليا مع أي شعور بإنسانية الفلسطينيين، أو كونهم بشرا مثل سائر شعوب العالم، ومن حقهم أن يحيوا بكرامة وحرية في وطنهم وعلى أرضهم .

وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد سجلت وسائل الإعلام يوم أمس أنباء عن اعتقالات واسعة في الضفة، وأشارت إلى وقوع ١٠ إصابات إثر قمع الجيش الاسرائيلي مسيرة سلمية تحتج على إقامة الجدار الفاصل في قرية الولجة. ومن الملاحظ هنا أن اسرائيل لم تكترث لقرار محكمة العدل الدولية حول كون الجدار غير شرعي، ويجب تفكيكه وتعويض الفلسطينيين المتضررين منه، رغم مرور عدة سنوات على صدور هذا القرار.

وفي قرية مردة شمالي الضفة الغربية، قامت قوات اسرائيلية بتجريف عشرات الدونمات من الأراضي الزراعية التي هي مصدر رزق المواطنين. وهذا يؤكد، إن كان هناك ما يدعو للتأكيد، أن السلطات الاسرائيلية لا تهتم بمعاناة المواطنين، ولا تهتم بحرمانهم من مصادر رزقهم مع أنها، بموجب القانون الدولي، يفترض أن لا تلحق الضرر بالموارد الزراعية والاقتصادية في الأراضي التي تحتلها.

وفي القدس، لم تتورع السلطات عن جرف وهدم ١٥ قبرا من تلك الموجودة في مقبرة مأمن الله- تلك المقبرة التي تعود إلى الفتح الإسلامي، وفيها رفات عدد من الصحابة والتابعين، والذين واجهوا الاحتلال الصليبي، وغيرهم من رجالات المدينة المقدسة في مختلف العصور، وحتى الاحتلال الاسرائيلي للمدينة المقدسة عام ١٩٤٨.

وهذا العمل فيه ما هو أكثر من استفزاز لمشاعر المسلمين في جميع أنحاء العالم. لكن من الواضح أن هذه السلطات تريد محو كل ما يذكر بإسلامية القدس وعروبتها، ولا يقتصر الأمر على التراث الإسلامي بل إن مصادر مسيحية استنكرت قيام السلطات الاسرائيلية بإخفاء آثار مسيحية في القدس، وتحديدا في منطقة عين كارم.

وعلى معبر الكرامة يواجه المواطنون ازدحاما وتضييقات أثناء دخولهم وخروجهم من المعبر، وهو ما أشار إليه رئيس الوزراء سلام فياض في حديثه الإذاعي الأسبوعي أمس الأول. وتتواصل بشكل روتيني الحفريات الاسرائيلية قرب المسجد الأقصى، مما يهدد بانهياره وهو ما تحذر منه باستمرار دائرة الأوقاف الإسلامية ،وكافة المهتمين بالمحافظة على هذا المعلم الإسلامي الخالد.

هذا غيض من فيض كما يقولون. وهناك النشاطات الاستيطانية المتصاعدة، والحصار المستمر على قطاع غزة ،والتهرب والتملص من استحقاقات عملية السلام، ومحاولة إطالة المفاوضات إلى ما نهاية له، من أجل كسب الوقت لخلق المزيد والمزيد من الحقائق الاستيطانية.

ما يتوجب على اسرائيل إدراكه هو أن الفلسطينيين شعب يستحق الحياة بكرامة وحرية على أرض وطنه، وأن هذه الممارسات الاسرائيلية لا تشير مطلقا إلى رغبة اسرائيلية جادة في تحقيق السلام العادل، المبني على الاعتراف بإنسانية الفلسطينيين وحقوقهم المشروعة. وسيظل السلام نوعا من السراب ما لم تتعامل اسرائيل مع الشعب الفلسطيني على أساس الندية والتكافؤ، والتوجه الحقيقي نحو التعايش السلمي.

وواضح أن الحكومة الاسرائيلية بحاجة إلى إقناع دولي، وعربي، لها بالتوجه نحو هذا النهج الذي ما تزال بعيدة عنه إلى حد كبير، حتى الآن.