ظاهرة تقارير الخارجية الأميركية التي تصدر بين حين وآخر لا يمكن تفسيرها إلا وفق عاملين اثنين، العامل الأول: انكشاف مدى تأثير الخارجية الصهيونية على أعمال وتفكير الخارجية الأمريكية, والعامل الثاني: ضآلة وقلة وضعف القاعدة المعلوماتية والبيانات اللازمة لدى الجهة المعدة للتقارير, وهذا ما يفسر بدوره النتائج الخاطئة التي تفضي إليها تقارير هذه الوزارة, والتي يصل حد الخطأ فيها ومدى هذا الخطأ إلى وجود مضامين معاكسة ومناقضة تماماً للواقع..
صحيح أن هناك مواقف سياسية تفرض مثل هذه النتائج في بعض الأحيان, وصحيح أن هناك تأثيراً لبعض الأحداث السياسية، ولكن حجم الخطأ والتضليل والتناقض في تلك التقارير, يؤكد سطحية الرؤية لدى أولئك الذين يعدونها، كما يؤكد عبثية المفاهيم التي يستندون إليها, ومدى انحيازها المسبق إلى درجة يمكن القول معها: إن نتائج أي تقرير تبدو ظاهرة في مقدماته.. ما يجعل تقارير الخارجية الأميركية فاقدة المصداقية وباهتة وغير ذات معنى عدا أنها بالأساس غير حيادية وغير علمية وغير مؤثرة..
ويمكن القول أيضاً: إن هذه التقارير لا تعدو كونها محاولة لتجديد المواقف، واسترضاء أطراف محددة لا أكثر ولا أقل..
ويبدو أن روح التضليل والتكاسل لدى معدّي التقرير قد أخذت مداها بالكامل، إذا ما جربنا مقارنة آخر التقارير مع أول التقارير قبل سنوات لنكتشف أنه ما من تغيير في هذه التقارير إلا تاريخها وبعض الجمل والعبارات التي لا تضيف شيئاً، وإنما تدور في فلك ما أعدته سابقاً وما وجهت إليه كتاباتها.
ورغم أن الخارجية الأميركية تدرك حجم التضليل الذي بنيت عليه هذه التقارير ابتداء من حجم ما طرأ من متغيرات دولية وإقليمية وحجم انكشاف إسرائيل أمام العالم, لكن من الواضح أن قاعدة الكذب المستمر تبدو عندها ملائمة وممكنة وفاعلة حسب اعتقادها, لذلك يستمر استخدامها يوماً بعد يوم ليس لإقناع الآخرين، وليس للحديث عن ثبات الموقف، وليس لمجرد التكاسل في إنتاج تقارير جديدة، بل ربما لأن العمى السياسي والارتهان للمصالح الضيقة وحجم التناقض بين المبادئ والممارسة داء يصيب الكثير من دول العالم، بينما الفيروس المسبب لهذا الداء كامن في إسرائيل وجوداً وأيديولوجيةً وسلوكاً.
