«الإسلام هو السلام، والمتشددون لا يمثلون السلام، بل الشر والحرب». هذه الكلمات البليغة أوضحت ما الذي أملت الولايات المتحدة أن تتجنبه، في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية، أي نشوب حرب دينية كانت ستحقق أحلام قادة تنظيم القاعدة، والمتشددين. ولم تأت هذه الكلمات من أحد دعاة السلام، ولكن من الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، فور وقوع الهجمات الإرهابية.
الآن، وبعد 9 سنوات، يجب أن يمثل المسجد، الذي لا يبعد سوى بنايتين عن موقع برجي التجارة العالمي، رمزاً قوياً لحكمة كلمات بوش.
ومن المقرر أن يتألف المركز الإسلامي الذي يضم المسجد من 13 طابقاً، وصالة عروض، ومطعم وقاعة رياضية مغلقة.
والمسجد هو جزء من مشروع «مساكن قرطبة» الذي سمي باسم المدينة الإسبانية، حيث عاش المسلمون واليهود والمسيحيون معاً في القرون الوسطى لنحو ثمانمائة عام. وهو يعتبر مثالاً للتسامح الديني في أعقاب هجمات سبتمبر، ورسالة تشير إلى أن محاولات القاعدة لتأليب الغرب على المسلمين قد فشلت.
ولسوء الحظ فإن بعض السياسيين وجماعات النشطاء كانت ردود أفعالهم على هذا الاقتراح تصب في صالح المتشددين، ووجهات نظرهم.
ففي موقعها الاجتماعي حضت حاكمة ولاية ألاسكا السابقة سارة بالين المسلمين المسالمين على رفض بناء مركز الجالية المسلمة في نيويورك، وكأن ثمة عملاً حربياً يتعلق به. وحتى الرئيس السابق لمجلس النواب الأميركي نيوت غينغريتش، متذرعاً بأسباب واهية لا تقنع أحداً.
والمثير للدهشة بدرجة أكبر هو أن رابطة مناهضة التشهير وقفت مع بالين وغينغريتش. وبينما اعترفت الرابطة بوجود بعض المتعصبين الذين يعارضون بناء المركز الإسلامي، فقد أصرت على أن بناء المركز في ظلال مركز التجارة العالمي سيسبب مزيداً من الآلام غير الضرورية لأقارب ضحايا الهجوم، وهذا لا يعتبر عملاً صائباً كما تدعي.
وشبه مدير الرابطة آبي فوكسمان عائلات ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر بضحايا النازية، غير أن هذه المقارنة غير ملائمة. فالإسلام لم يشن هجمات الحادي عشر من سبتمبر، بل المتشددون هم المسؤولون عن ذلك، وهم لا يمتون للإسلام بصلة.
والحقيقة البسيطة أنه لا يوجد تهديد ناجم عن بناء المركز الإسلامي المقترح، الذي يعتبر رأس حربة لفيصل عبد الرؤوف، أحد الزعماء المسلمين المعتدلين في الولايات المتحدة. ونظراً لوجود بعض المراكز غير الملائمة والنوادي الليلية ومكتب للقمار والمراهنة بالقرب من قاعدة المركز التجاري، فإن هذا الجدل العقيم بشأن مخاطر المركز الإسلامي وتأثيره السلبي تدور في حلقة مفرغة.
فكل سكان نيويورك، الذين واجهوا آلام هجمات سبتمبر، يتعين عليهم تقبل المركز الإسلامي كوسيلة لإضفاء الشرعية على ما يعرفه بوش وكثير من الأميركيون، فتلك الهجمات تعتبر جريمة بحق الإنسانية ارتكبها متشددون، وهي لا تعبر عن المعتقدات الحقيقية للدين الإسلامي الحنيف.
فالتصويت لصالح بناء هذا المسجد انتصار لأصحاب الأفكار الأكثر اعتدالاً في الحكومة وللمثل الأميركية الأساسية، ومنها الحرية الدينية.
افتتاحية «بوسطن غلوب»