في محاولة موضوعية نوعاً ما لرصد حصاد الإيجابيات والسلبيات أحياناً، وفي محاولات مغرضة نوعاً ما لإسقاط الإيجابيات وتضخيم السلبيات لإهالة التراب على ثورة 23 يوليو المصرية ومنجزاتها وقياداتها التاريخية.. كان السؤال الأكثر ترديداً على ألسنة غالبية السياسيين والإعلاميين في الأوساط المصرية عشية الذكرى الثامنة والخمسين لثورة يوليو هو.. ماذا تبقى من الثورة المصرية؟
للثورة المصرية، كأي ثورة حقيقية تعبر عن إرادة الغالبية الشعبية، مبادئ وسياسات وتطبيقات، ولمسيرتها الوطنية مراحل متنوعة وقيادات متغيرة، وفي حين ظلت مبادئها في التحرر الوطني والعدل الاجتماعي والتنمية المستقلة ثابتة وصالحة، وظلت دعوتها الوحدوية العربية والتحررية العالمية فاعلة ومؤثرة، يبقي لتجربتها ما لها وعليها ما عليها كأي تجربة ثورية إنسانية، وفي الرصيد النهائي فإن مالها في جل الصعد يظل أكبر بكثير مما عليها.
غير أنه من الإنصاف ألا نقيم الثورة على مدى الثمانية والخمسين عاماً بمراحلها الثلاث الناصرية والساداتية والمباركية كوحدة واحدة، حيث لكل مرحلة توجهاتها وسياساتها، وفي حين بقيت المبادئ الأصلية في وجدان الشعب فقد تغيرت السياسات، بينما اختلفت كل مرحلة عن المرحلة السابقة عليها فابتعدت عنها ولا أريد القول إنها تناقضت معها، بما أعاد الأوضاع المصرية في نهاية المرحلة الثالثة للثورة إلى ما كانت عليه في بداية مرحلتها الأولى.
ولهذا فربما يرى البعض أن الثورة انتهت في يونيو عام 67 بفعل الهزيمة العسكرية لكن رفض الشعب للهزيمة وتمسكه بقائده وخوضه حرب الاستنزاف مثّل رداً عليهم، فيما يرى الكثيرون أن التقييم الحقيقي للثورة يبدأ من يوليو عام 52 وينتهي بوفاة قائدها جمال عبد الناصر بمبادئه وسياساته وتطبيقاته في سبتمبر عام 70، وعلى أكثر تقدير فقد ظلت اندفاعتها حتى انتصار أكتوبر عام 73، ولا يجب أن تتحمل الثورة ما تلا ذلك من متغيرات في المبادئ والسياسات والتطبيقات.
واحدة من بين أهم ما بقي من هذه الثورة هو تحديد ملامح الشخصية المصرية ودوائر انتماءاتها القومية والعقائدية والجغرافية، وطبقاً لما حدده جمال عبد الناصر في كتابه «فلسفة الثورة» فإن ملامح هذه الشخصية الوطنية تتشكل من دوائر ثلاث كأنها العقل والروح والجسد، هي الدائرة العربية والدائرة الإسلامية والدائرة الأفريقية لتبدو مصر الوطنية هي مصر العربية وهي ذاتها مصر الإسلامية وهي نفسها مصر الأفريقية، بلا أي تناقض مفتعل بين الوطنية المصرية وبين القومية العربية، أو بين انتمائها إلى الأمة الإسلامية وارتباطاتها بالقارة الأفريقية، إذ تلك جميعها هي المكونات الثلاث المتكاملة للشخصية المصرية.
وحينما حملت مصر قضايا الوطن العربي والأمة الإسلامية وقارتها الأفريقية في قلبها فلقد ارتفعت مكانة مصر وعلا مكانها في كل القلوب عربياً وإسلامياً وأفريقياً، بل وفي عالمها، وإذ تمثل مصر العربية بأزهرها الشريف قلب أمتها الإسلامية والبوابة الشمالية الشرقية لقارتها الإفريقية، يشكل العرب الأفارقة أكثر من نصف مساحة الوطن العربي، ومن ثلث سكان القارة الأفريقية.
فيما يشكل المسلمون الأفارقة نصف سكان القارة، من هنا تنبع أهمية واستراتيجية أن يولي العالم العربي والإسلامي اهتماماً أكبر وحضوراً اقتصادياً وثقافياً وسياسياً أوسع للتكامل مع إفريقيا التي تقف في معظمها ظهيراً مسانداً للقضايا العربية، وعمقاً استراتيجياً حقيقياً للوطن العربي في ظل أزمات المياه والغذاء والطاقة..
فالارتباط العربي الأفريقي الطبيعي هو واقع جغرافي وتاريخي قائم، والارتباط العربي الإفريقي الإسلامي حقيقة ثقافية وإثنية، والتكامل بين الدوائر الثلاث ضرورة اقتصادية وسياسية والحاجة المتبادلة للتكامل بينهما أصبحت أكثر إلحاحاً اليوم مثلما كانت بالأمس، لمعالجة أزمات الحاضر ولمواجهة تحديات المستقبل..
فالعرب والمسلمون والأفارقة كانوا يعانون معاً من سيطرة الاستعمار الأوروبي نفسه الإنجليزي والفرنسي والإيطالي، ويناضلون معاً من أجل التحرر والاستقلال، ويشتركون معاً في أصول قبلية واحدة، وغالبيتهم تتجه معاً إلى قبلة واحدة، ويتطلعون معاً إلى هدف الوحدة التي مزقها الاستعمار بالأمس وما زال يتآمر عليها اليوم.
ولهذا لم يكن غريباً أن يكتسب العرب في الخمسينات والستينات لدى الشعوب الأفريقية مكانة كبيرة من جراء مساندة العرب عموماً ومصر بقيادة جمال عبد الناصر والجزائر بقيادة أحمد بن بيللا وهواري بومدين خصوصاً لنضال الشعوب الأفريقية من أجل التحرر من الاستعمار الإنجليزي والفرنسي وتحقيق الاستقلال..
ولهذا أيضاً كان طبيعياً أن تقطع معظم دول القارة علاقاتها السياسية مع الكيان الصهيوني دعماً للعرب في نضالهم لتحرير الأراضي العربية المحتلة.. كما كانت وقفتهم الشجاعة في قمة «واغادوغو» مساندة للجماهيرية الليبية في وجه أميركا ومجلس الأمن ونجحوا في كسر الحصار الذي فرض عليها ظلماً.
ولما لم يحسن العرب عموماً خصوصاً بعد عبد الناصر استثمار تلك العلاقات القوية والطبيعية مع أفريقيا فتراجع الاهتمام بأفريقيا ويمم العرب وجوههم شطر أميركا وأوروبا الذين يمثلون الاستعمار القديم والجديد على حساب علاقتهم بأفريقيا، تراجعت مكانتهم وضعف تأثيرهم السياسي فيها، فصنعوا فراغاً تحاول إسرائيل أن تملأه بعدما أعادت علاقاتها السياسية مع من قطعوها، وعادت تتحرك من جديد ضد مصالح العرب وخصوصاً ضد وحدة وسلام السودان، كما تجلى ذلك أيضاً في تحريضها لدول منابع النيل الأفريقية لابتزاز مصر.
ومع أننا كعرب معنيون بأفريقيا، ويرتبط مستقبلنا بمستقبلها وأمننا بأمنها، فإن الحوار العربي الإفريقي لم يتواصل بالقدر الكافي، والقمة العربية الأفريقية الأولى لم تعقبها الثانية بعد، بل انتظرت ما يزيد على ثلاثين عاماً في انتظار عقد القمة الثانية التي من المقرر أن تعقد في أكتوبر القادم في ليبيا. وقد أكد القادة العرب تطلعهم إلى عقد هذه القمة المشتركة بعدما تأخرت كثيراً بغير مبرر.
ومن هنا أكد الأمين العام للجامعة العربية حرص الجامعة على وحدة أفريقيا، وعلى التضامن العربي الأفريقي وضرورة رفع مستوى التكامل بين الجامعة العربية والمفوضية الأفريقية.. حتى لا يتمدد الإسرائيليون والأميركان والفرنسيون في فراغنا العربي والإسلامي.
كاتب مصري
