يبقى السؤال محيراً بشأن أسباب انعدام حدود دنيا من التوافق بين الطبقة السياسية في العراق على تشكيل حكومةٍ تتولى المسؤوليات العامة، منذ نحو أربعة شهور.
ومبعثُ الحيرة، أو الاستهجان ربما، أنّ الخلافات التي تعيق ظهور الدخان الأبيض المتعلق بالحكومة العتيدة لا تعودُ إلى تنافسِ برامج بين التكتلات السياسية بشأن الصالح العام، وما يخدم العراقيين ويحميهم، وينقذهم مما تغرقُ فيه بلادُهم من تحدياتٍ أمنيّةٍ وتنمويةٍ ثقيلة، وتعينُهم على التقاط أنفاسهم بعد سنواتٍ من الاحتراب الذي قضى فيه آلاف الأبرياء.
لا يقعُ المراقبُ للمداولات والسجالات الرتيبة بين القوى والكتل العراقية على رؤيً وأفكارٍ وأطروحاتٍ تشتبك مع بعضها، في توجهها نحو تحقيق أشواق العراقيين إلى التحرر والنهوض، بل يجدُ أنّ شهوة الحكم والتسيّد وتصدر المشهد العام الأسباب الأوضح لكل هذا البؤس في النقاش السياسي الراهن.
نؤشر إلى هذا الأمر، وثمّة الاجتهادُ الشائعُ أن استعصاء الوصول إلى صيغةٍ وفاقيةٍ جامعةٍ بشأن حكومةٍ ممثلةٍ وفاعلةٍ يعودُ إلى أنّ ولاءاتِ قويً وفاعلياتٍ في الداخل للخارج، ويتبدى التسليم بهذا الأمر وكأنه قضاءٌ وقدرٌ.
ولعلهُ انكشافُ هذا الحال على تعاسةٍ وتردٍّ واضحين في المشهدِ العراقي العام هو ما دفع مجلس الأمن الدولي إلى أن يُبادر إلى توجيهِ رسالةٍ إلى الطبقة السياسية العراقية، تدعوها إلى الإسراع في تشكيل حكومة تعكسُ إرادة الشعب العراقي وسيادته، وتطلعه إلى «عراق قوي مستقل وحر وديمقراطي».
وإذ من المؤسف أنْ يبلغَ سوءُ إدارة الطبقة المذكورة لخلافاتها إلى مستويً يجعل تدخل مجلس الأمن على هذا النحو مسوّغاً، فالمشتهى الآن أن تتم الاستجابة لهذا النداء، حفاظاً على درجةٍ دنيا من احترامِ العراقيين للمؤسسات القائمة في بلدهم، وعلى قناعتهِم بمن انتخبوهم ممثلين عنهم في مجلس النواب الحالي، والذي يُفترض أن يساهمَ بدوره الفاعل في دفع الاتجاه العام إلى ما من شأنه وقف المهزلة القائمة.
نتفق مع دعوة مجلس الأمن، ومع نداء الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الأربعاء الماضي، لمّا دعا القادة العراقيين إلى مضاعفةِ جهودِهم لتشكيل الحكومة. ونجدنا أيضاً في الانتظار الذي طال، مع شيءٍ من الأمل في حدوث الانعطافة المرجوة نحو مشهدٍ سياسيٍّ في العراق مغايرٍ عما نرى، تتضّحُ فيه البوصلةُ التي ينبغي أن يهتدي بها هذا البلد العربي الكبير وسط عواصف إقليمية غير قليلة.
