يكاد الواحد فينا لا يصدق ما يقرأه وما يسمعه من أخبار تنشر هنا وهناك عن اختراقات وتجاوزات في القطاع الطبي في الإمارات، ويتساءل كثيرون هل العيب في الأفراد أم في المؤسسات المسؤولة عن تنظيم ومراقبة شؤون هذا القطاع؟
بالأمس كشفت إدارة مكافحة الجرائم الاقتصادية بالإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية في شرطة دبي، عن القبض على طبيب نفسي من جنسية دولة خليجية حوّل عيادته إلى «وكر لممارسة الدجل والشعوذة»، وتمكّن هذا الطبيب من «إيهام عدد كبير من النساء بقدرته على حل مشكلاتهن الزوجية».
ومنذ اسبوعين تقريبا أصدرت لجنة التراخيص الطبية بوزارة الصحة في الإمارات قرارات بإغلاق مستشفى وعيادة ومركز طبي وقسم أسنان بمجمع عيادات بسبب مخالفتها لقواعد الممارسة الطبية بالدولة، وقررت اللجنة معاقبة 6 أطباء، حيث شطبت طبيبا وأبلغت عنه النيابة ووزارة العمل لممارسته المهنة دون ترخيص، وأوقفت طبيبين عن العمل، ووجهت إنذارا نهائيا لأخصائي وأخصائية أمراض جلدية، وحولت طبيبة نساء إلى لجنة المسؤولية الطبية.
من يقرأ تفاصيل الأخبار السابقة يجد عاملا مشتركا بينها وهو غياب الترخيص والمهنية معا، والتي لم ينتبه لهما كثير من المترددين على تلك العيادات والذين ربما يكتشفون بعد فترة من الزمن انهم ضحايا الغش في قطاع صحي يتوقع الواحد أعلى وارقى الأساليب المهنية فيه، لكن قد يكون اكتشافهم متأخرا بعد فوات الأوان وبعد خسارة صحتهم التي لن يعوضها شيء.
وعدم انتباه المرضى قد تكون له مبرراته لانشغالهم بمرضهم وحاجتهم للعلاج، لكن الانتباه لها متأخرا من قبل السلطات الحكومية هو الأمر المستنكر، لأنه يقع في صميم عملها واختصاصاتها التي لا ينبغي أن تغفل عنها.
الكشف عن هذه المخالفات والتجاوزات يدعونا للتساؤل: مالذي جعل هؤلاء يتجرؤون على العمل في هذه المهنة الحساسة دون تراخيص عمل رسمية؟ ومن الذي منحهم الأمان ليمارسوا عملهم دون مراعاة وتطبيق للقواعد الواجب ممارستها عند مزاولة هذه المهنة؟ هل إدراكهم لغياب الرقابة الدقيقة أم وعيهم بجهل المترددين عليهم؟
وأيا كان السبب فالأمران كلاهما أكثر مرارة من الآخر، فغياب الرقابة والمتابعة لشؤون هذا القطاع مصيبة، وجهل الناس بحقوقهم على العاملين فيه مصيبة أكبر، تجعلهم عرضة للابتزاز ولسوء الاستغلال الذين يدفعون وحدهم ثمنه ولا أحد غيرهم.
ربما اتخذت وزارة الصحة إجراءاتها الروتينية بتحويل المعنيين للمساءلة والتحقيق، لكن ذلك من وجهة نظرنا غير كاف، إذ إن الخطأ لم يكن فرديا، بل تجاوز ذلك بدليل إغلاق مستشفى وعيادة ومركز طبي وقسم أسنان بمجمع عيادات، أي إن أخطاء جماعية كانت ترتكب في حق بشر في غفلة الجهات الرقابية.
فلماذا يقع كل ذلك في دولة أخذت على نفسها عهدا بأن تكون في مصاف الدول المتقدمة إداريا، فإذا بها تتخلف في أهم قطاع يمس سلامة الناس وصحتهم؟ الكشف عن الأخطاء والتجاوزات في المجال الطبي في الإمارات تؤكد حقيقة ضعف الرقابة وضعف المساءلة، وبالتالي يمكننا فهم أسباب ضعف المستوى الطبي في الدولة بشكل عام!
