على خلفية المجادلات المكثفة الدائرة بين القيادة الفلسطينية من ناحية، والقيادتين الإسرائيلية والأميركية من ناحية أخرى، حول الوسيلة التفاوضية المثلى؛ بين محادثات «مباشرة» ومحادثات «غير مباشرة»، ينبغي أن نستحضر إلى الأذهان أنه بعد 18 عاما من المفاوضات المباشرة بين قيادة السلطة الفلسطينية والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، منذ إبرام اتفاق أوسلو في عام 1993، فإن النتيجة التي نراها الآن لا تفيد إلا بأن الحالة الاحتلالية القاسية التي يرزح تحتها الشعب الفلسطيني، لم تزدد إلا سوءا على سوء.

فقد كان الهدف من بنود أوسلو التي صاغها الجانب الإسرائيلي وفرضها على الجانب الفلسطيني، هو تنفيذ مخطط معد سلفاً لإنشاء كيان فلسطيني، يتكون من ثلاثة كانتونات ويتبع السيادة الإسرائيلية.. ولا يهم أن نطلق عليه اسم «دولة فلسطينية». ولا يزال تطبيق هذا المخطط على الأرض ساري المفعول حتى يومنا هذا.. وإلى أن يكتمل التنفيذ.

في هذا السياق تستوقفنا شهادة تاريخية، أدلى بها ذات مرة وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق شلومو بن عامي. ففي دراسة أكاديمية له نشرها بعد سبع سنوات من اتفاق أوسلو، قال إن الهدف من «عملية السلام» هو إقامة «مستعمرة حديثة» للفلسطينيين ذات طابع مستديم. ومما يجعل لهذه الشهادة قيمة إضافية، أن بن عامي كان رئيس وفد المفاوضات الإسرائيلي في محادثات كامب ديفيد في الولايات المتحدة عام 2000، والتي جرت بين السلطة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات وحكومة إيهود باراك.

ما يستخلص من ذلك، أنه بينما لدى إسرائيل استراتيجية عظمى بشأن مستقبل الأرض الفلسطينية المحتلة، فإن قيادة السلطة الفلسطينية لا تملك استراتيجية مماثلة.

هذه المقابلة بين الجانبين، هي التي تفسر لنا لماذا تدخل القيادة الفلسطينية أي مباحثات مع الجانب الإسرائيلي وهي في موقف تفاوضي ضعيف، وبالتالي تنتهي عملية التفاوض إلى لا شيء.. ومن ثم تدخل القضية في مجادلات عقيمة، على نحو ما يجري حالياً حول أيهما أجدى: التفاوض المباشر أم غير المباشر!

يقول الأكاديمي الفلسطيني المرموق د. غسان الخطيب، الذي يعمل أيضاً مستشاراً إعلامياً للسلطة الفلسطينية، إنه في المفهوم الفلسطيني فإن شكل المفاوضات، سواء كان مباشراً أو غير مباشر، ليس بالأمر الذي يمنع التقدم في عملية السلام. المشكلة ليست شكل التفاوض، بل هي مدى الجدية بشأن القضايا التفاوضية الجوهرية.

هنا يطرأ سؤال: إذا كان الشكل التفاوضي لا قيمة له، فما الدافع الإسرائيلي للإصرار على الانتقال بالعملية التفاوضية من دائرة التفاوض المباشر إلى دائرة التفاوض غير المباشر؟

يقول د. الخطيب إن المحادثات غير المباشرة التي لعب فيها المبعوث الرئاسي جورج ميتشل دور الوسيط الأميركي، تعني أن هناك شاهداً على مدى جدية كل من الطرفين المتفاوضين، وأنه بالتالي في وسع هذا الشاهد أن يقرر أي الجانبين ملتزم بالمبادئ المرجعية والقانون الدولي. وإذن، فإن ما ترغب فيه إسرائيل باصرارها على التفاوض المباشر دون طرف وسيط ثالث، هو إزاحة هذا الشاهد.

من الواضح أن هذا الاستنتاج مبني على فرضية فلسطينية (ما دام د. الخطيب يمثل رؤية السلطة الفلسطينية)، بأن الولايات المتحدة هي حقا وسيط حيادي يتصف بالنزاهة الكاملة، محتفظا بمسافة متساوية بين كل من الطرفين المتنازعين.

لكن الواقع يفيد بغير ذلك تماما؛ فالانحياز الكامل والشامل لإسرائيل، والالتزام التام بأن تبقى القوة الإقليمية الكبرى المتفوقة في الشرق الأوسط، يعتبر من الثوابت المقدسة لدى رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبين على البيت الأبيض، من هاري ترومان في أوائل الخمسينات إلى باراك أوباما، مرورا بايزنهاور وجونسون ونيكسون وفورد وبوش الأب وكلينتون وبوش الابن.

معضلة السلطة الفلسطينية هي، إذن، مراهنتها على قوة عظمى متورطة في شراكة استراتيجية مستديمة مع دولة الاحتلال. وهي مراهنة وهمية لا جدوى منها، طالما ظلت القيادة الفلسطينية تفتقر إلى رؤية استراتيجية منهجية. ولأن إسرائيل تدرك هذه الحقيقة، فإنها تواصل تطبيق تكتيكات لضمان أن تستمر «عملية السلام» في الدوران في حلقة مفرغة.

وصورة الواقع التي نراها أمامنا، تبدو كما يلي: جانب فلسطيني بلا خيارات استراتيجية، يقابله جانب إسرائيلي لديه خطة استراتيجية ثابتة، تؤدي إلى رسم المصير الفلسطيني النهائي وفقا للتصور الإسرائيلي الذي أقر به بن عامي.

وهناك ما هو أدهى وأمر؛ فالاستراتيجية الإسرائيلية الدائمة مبنية على عقيدة دينية «توراتية»، مفادها أن الضفة الغربية أو معظمها، أرض يهودية مقدسة بحكم شواهد تاريخية. ولذا فإن هذه الأرض بما فيها مدنية القدس، ينبغي «تحريرها» بأمر إلهي.. فهي أرض الميعاد.

ومن المفارقات أن الهدف النهائي الأعظم للمخطط الإسرائيلي، ليس غائبا عن أذهان القيادة الفلسطينية. فلا يكاد يمر يوم أو يومان حتى يصدر تصريح عن أحد أركان السلطة الفلسطينية، يقر فيه بأنه عوضا عن إنهاء الاحتلال فإن المسلسل التفاوضي بعد أوسلو، نتج عنه امتداد الاستيطان اليهودي الى مساحة 42 في المائة من أرض الضفة حتى الآن، ولا يزال يتمدد.

استكمال التهويد الاستيطاني لأرض الضفة والقدس، أصبح إذن مسألة وقت فقط. وعليه فإن السؤال الأكبر الذي يطرح هو: ما جدوى التفاوض ـ مباشرا أو غير مباشر ـ مع تمدد البناء الاستيطاني على الأرض التي من المفترض أن تقوم عليها دولة مستقلة للفلسطينيين؟

كاتب صحفي سوداني

hisham200775@yahoo.com