اختلطت الأوراق في صعدة اليمنية، حتى أن جُل المراقبين لا يستبعدون جولة جديدة في الحرب المستمرة بين الدولة والحوثيين. فخلال الأيام والأسابيع القليلة الماضية، احتدمت المعارك بين فرقاء قبائليين يدّعون أنهم إلى جانب الدولة من جهة، والحوثيون من جهة أخرى، وكانت النتيجة «غير المتوقعة».
نصراً واضحاً لجانب الحوثيين، الذين لم يكتفوا بكسر ومطاردة القبائل التي تزعمها الشيخ صغير بن عزيز، بل أسروا ما يتجاوز المائتين من أفراد لواء كامل تابع للحرس الجمهوري، الأمر الذي أظهر مدى الانحسار الذي أصيب به الجيش النظامي، بالترافق مع خيبة القبائل التي تدعي مناصرة النظام ضد الحوثيين.
والحقيقة أن بعض شيوخ القبائل ليسوا سوى تجار حرب اعتياديين، بل إنهم أكثر المؤججين لنيران الحروب الداخلية، وتلك سجية وديدن عرفوا به منذ حرب الملكيين والجمهوريين بعد عام 1962، كما ساروا على ذات الحرب في الحروب الشطرية بين نظامي الشمال والجنوب سابقاً، وأخيراً كان لهم إسهامهم البائس في حرب الوحدة والانفصال عام 1994.
هذه الظاهرة القبلية «غير السويّة»، تعيد إنتاج نفسها في صعدة لتؤكد مرة أخرى أن الدولة ليست بحاجة إلى من ينوب عنها في مواجهة التحديات، وأن تدخُّل القبائل المُتفلّتة على خط التسويات والصراعات بين الدولة وأطراف أخرى، ليس لصالح الدولة أبداً. بل إن هذا التدخل يكشف الدولة، ويضع المؤسسة العسكرية أمام خيارات صعبة، تنجم عنها استحقاقات ابتزازية تتجاوز الأموال الطائلة إلى سفك الدماء الزكية.
والشاهد أن تسليم لواء مدرع كامل لأسلحته ومعداته إلى الحوثيين، دليل على أن هذا اللواء لم يقاتل أصلاً، ولم يضع بعين الاعتبار أن عليه الحفاظ على مواقعه التي يتمترس فيها، بل استسلم بكل هدوء كما تشير الوقائع، وهذا النوع من «السقوط الحر» يؤشر لأبعاد نفسية تعرفها المؤسسة العسكرية وأفرادها.
هذه الظاهرة بحاجة إلى دراسة ونظر، فالجندي الذي يتخلّى عن واجبه في الحفاظ على موقعه التقليدي، لا يمكنه فعل ذلك إلا لأسباب عميقة، أقلها خلط الأوراق، وضبابية الصورة، والشوشرة، وعدم الوضوح، وتضارب آراء القيادات الميدانية، بل الشعور بأنه ليس معادلاً مركزياً في مواقع القتال الذي يتناوبه المتمردون على السلطة من جهة، والمنافحون عنها قبلياً من جهة أخرى.
ما حدث قبل أيام في حرف سفيان وعمران والملاحيظ، يستدعي من الدولة اليمنية أن تتسق مع منظومة خياراتها المعلنة، وأن تستبعد الأطراف القبلية في حل المشكلة، وأن تتمسك بجمرة الخيارات المتفق عليها سلماً، وأن تدرس بإمعان فكرة حرب نظامية لا ضمان لإنجاز نصر مؤزر فيها، وأن تستبعد المأفونين وتجار الحرب المتدثرين بنياشين الدولة.
لقد ثبت الآن بالدليل القاطع، أن حرب القبيلة نيابة عن الدولة تؤذي الدولة، وتقلل من هيبتها ومكانتها، كما ثبت أن مشكلة صعدة هي في الجوهر أمر داخلي يمني وصناعة محلية بامتياز، دون أن ننفي بشكل قطعي تعاطف بعض الأطراف الخارجية، أو وجود دعم لوجستي غير مباشر.
لكن هذا الأمر لا يسري على طرف بذاته أو دولة بذاتها، فالمعروف أن عدداً عديداً من مشائخ اليمن يتلقون مخصصات شهرية من الخارج، وأن هذه الظاهرة مسكوت عنها منذ أمد طويل، فبأي منطق يتم القبول بترضية البعض مالياً على حساب الدولة أو من خارجها، واعتبار الآخرين مارقين خارجين عن نواميس الدولة والقانون؟!
اليمن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للدولة ومكانتها، ورفض إدارة الملعب الداخلي بأدوات خارجية، ومنع التعامل بين الأفراد والدول، وتمرير أي مساعدات ودعم أخويين عبر قنوات الدولة، لا القبائل وشيوخها، ومباشرة الاعتبار للكيانات التاريخية القبائلية والعشائرية.
على أسس لا تناقض الدولة ودورها الحيوي في المجتمع، وسد منابع السلاح الذي يباع جهاراً نهاراً على مرمى حجر من العاصمة، وتوقيف تُجار السلاح المتطاولين على الدولة، ومحاسبة المُرفّسين لقوانين الدولة ونظامها، ممن يعيثون في الأرض فساداً، ولا رادع لهم.
تلك هي الواجبات المباشرة للدولة، ومتى ما تمّت كما يُفترض، فإن مشاكل صعدة والجنوب ستنحسر تباعاً. أما إذا استمرت بذات الوتيرة، فإن الحالة الصعداوية والحراكات الجنوبية، لن تمثل إلا بقعتين في مشروع لمزيد من التشظّي والرفض والتمرد.
خلال الأيام الماضية، أعلن الرئيس على عبد الله صالح مراراً أن خيار السلام هو الوارد، وتمنّى على الحوثيين الاستجابة للنقاط الست الخاصة بالتسوية، وفي المقابل التزم الحوثيون صمتاً أقرب إلى القبول، لكن المشكلة لم تعد الآن محصورة في ثنائية النظام والحوثيين، بل في سلسلة التدخلات الفردية والقبلية التي تتدثر تارة بالوساطات.
وأخرى بمقارعة الحوثيين، فتُفسد السياسة وإمكاناتها، وتضع الجميع أمام إحراجات متتالية، وتُمهد الأرض لتجاوزات تبدأ بفعل تتلوه ردود أفعال غير محسوبة.لقد آن الأوان لإغلاق هذا الملف على قاعدة تبني خيارات الدولة ومؤسساتها، ورفض كل صيغة مُخاتلة يديرها المنتفعون وتجار الحروب.
كاتب وباحث يمني
Omaraziz105@gmail.com