بادرتني بالسلام امرأة في ريعان الشباب، وأنا أتمشى في أحد المجمعات التجارية في الكويت، قائلة: دكتور محمد...، حضرتك درستني في الجامعة مادة النظرية الاجتماعية، وأنا أخذت فيها «أي» وهي أعلى درجة يأخذها الطالب.

ثم أخذت بالمديح والثناء الذي لا محل له في هذا المقام بترديده وتكراره. فوقع كلامها برداً وسلاماً علي، وشعرت بنشوة كمن يمتلك العالم كله. ثم زادت غبطتي وسروري حينما سألتها عن وظيفتها التي تشغلها، بعد تعرفي اليها، فقالت إنها مديرة التطوير البشري في البنك (الفلاني).

شعرت فجأة أن تلك اللحظات التي أرى فيها طلبتي وقد تبوؤوا المكانة اللائقة بقدراتهم وإمكانياتهم، هي أحلى اللحظات التي لا يخامرني شك في أن كل أستاذ يشعر بها. فهو يغدو فخوراً لأن نجاح طلبته والجيل الذي ساهم في تربيته وتعليمه، إنما هو نجاح شخصي له ونجاح عام لمجتمعه.

هذه اللحظات حيث الثناء الصادق، وحيث النجاح يتجسد أمام ناظريك، هي رأسمال الأستاذ، الذي يرى أن جهوده لم تذهب هباء منثوراً، وما زال البعض يثمن ويقدر ما قام به وما قدمه من رسالة سامية.

وقد لاحظت أن كثيراً من طلبتي، وخاصة الطالبات منهم، قد توجهوا إلى العمل في القطاع الخاص؛ في الشركات الاستثمارية والبنوك وشركات التأمين والاتصالات وغيرها، مبدلين تخصصهم في العلوم الاجتماعية الذي انطلقوا منه في حياتهم الجامعية، ليقتحموا مجالاً جديداً عليهم.

البعض من هؤلاء لم يمر بتجربة العمل في الجهاز الحكومي، إذ بعد تخرجه دخل عالم القطاع الخاص ونجح في التماشي مع متطلباته «الثقيلة»، وآخرون، مروا بتجربة العمل الحكومي، فكانت طموحاتهم أكبر من العمل «الروتيني» الذي عايشوه. ومثلت تلك تجربة ودافعاً نحو العمل والنجاح في قطاع آخر له متطلبات أخرى، وفيه تنافس شديد.

وبالطبع، فنحن لا نقول مطلقاً إن العمل في القطاع الخاص هو أفضل من العمل في القطاع العام، فالقطاعان حيويان، ويستطيع من يمتلك الكفاءة والطموح أن ينجح في كليهما. غير أن أوضاعنا في المجتمعات الخليجية، تتطلب من شبابنا أن يقتحموا عالم الشركات والبنوك والاتصالات والنقليات وغيرها.

وإنني أرى الكثير من شباب المنطقة (من الجنسين) متجهين إلى تلك الأعمال، ولكن ليس بنسبة مرضية قياساً إلى عدد خريجينا في الجامعات والمعاهد التطبيقية والمهنية وغيرها. فما زال جهاز الدولة يستقطب جل العمالة الوطنية.

وليس كل طلبتي من الجنسين بنجاح تلك الفتاة التي نجحت وتبوأت مركزاً مرموقاً وهي في مقتبل العمر، بل أجد الكثير من هؤلاء (بالذات في التخصصات الاجتماعية) قليلي الطموح، ليست لهم أهداف واضحة في الحياة يريدون تحقيقها. ومن المعلوم أن أحد أهم أسباب النجاح، هو وضوح الهدف والسعي بكل جهد إلى تحقيقه.

والحق أنني أصرف الكثير من أوقات محاضراتي في سبيل رفع معنويات مثل هؤلاء الطلبة، وتحبيبهم في تنويع مهاراتهم، وشرح الآفاق المختلفة التي يستطيع هؤلاء الوصول إليها، إذ لا يعني أنهم تخصصوا في هذه المادة أو تلك، أن أفق النجاح والترقي قد ضاق بهم، وتحددت مصائر حياتهم.

ولا شك أننا في مجتمعاتنا الخليجية الطامحة نحو تعديل التركيبة السكانية، لا بد لنا أن نولي أكبر عناية لأهمية نوعية التعليم والتخصصات العلمية التي يتجه إليها شبابنا. فغاية التعليم الجامعي، وربما المهني، هي أن نزج بشبابنا في المجالات التي تشتكي نقصاً في العمالة الوطنية. وهذا لن يتأتى إلا بالتوجيه والإرشاد السليمين، وأيضاً بالحوافز المادية والمعنوية، أثناء الدراسة وبعدها.

فالاستثمار في رأس المال البشري سيأتي بأكله، وخاصة في مجتمعات مثل مجتمعاتنا الخليجية، حيث الندرة السكانية، وحيث يمثل المواطنون أقلية.

والاستثمار في العنصر البشري مهم أيضاً في مجتمعاتنا، سواء الخليجية أو في الفضاء الأوسع وهو المجتمع العربي، وذلك لأننا مجتمعات شابة يمثل فيها الشباب، المقبلون على العمل أو من هم في سنه، الغالبية العظمى من السكان.

فنحن لسنا كشعوب أوروبا الغربية وروسيا التي بدأت «تشيخ»، بل إننا مجتمع يافع، يمثل له التعليم عنصراً أساسياً في رقيه، وذلك بتعليم وتدريب شبابه وتوجيههم إلى المجالات التي هو بحاجة إلى تطويرها وسد النقص فيها.

ومما يثلج الصدر أننا نجد في كل مجتمعاتنا الخليجية أنه قد برزت «طبقة من ذوي الياقات البيضاء» ـ إن جاز التعبير ـ وقد أصبحوا مديرين وقياديين وموظفين كبارا في كل المجالات الاقتصادية، ويديرون تلك المؤسسات بكفاءة عالية، أو يؤدون أعمالهم بهمة ونشاط ونجاح لا يقل عن المستوى الذي نلحظه في المؤسسات النظيرة في الدول المتقدمة.

وهنا لا بد أن نذكر المرأة القيادية ضمن هذه الطبقة الجديدة، حيث أضحى وجودها علامة لنجاح وكفاءة المرأة الخليجية بشكل خاص، والمرأة العربية بشكل عام.

ولعل ظهور هذه الطبقة من ذوي الياقات البيضاء الوطنية، أصبح يمثل قدوة ويفتح باب الأمل عند كل شبابنا ليسيروا على درب هؤلاء، وليكرروا نجاحاتهم في دروب الحياة وشعابها المختلفة.

كاتب وأكاديمي كويتي

alyusefi@hotmail.com