حين أرسلت للجريدة مقال الأسبوع الماضي، لم أكن أتصور أن دليلا جديدا على ما طرحته سيأتي بأسرع مما توقعت. فقد جرت وقائع مهمة ذات صلة، حتى قبل مثول العدد الذي حمل مقالي للطبع. كان مقال الأسبوع الماضي يؤكد على أن أوباما عبء على الأقليات، وليس العكس كما يتصور البعض.

وكنت قد تحدثت عن ازدياد عنفوان اليمين المتطرف، الذي ينضح بالعنصرية منذ تولي أوباما. لكن الأحداث سرعان ما أكدت أن أوباما بانحنائه لهذا اليمين وحساسيته المفرطة إزاء ملف الأقليات، يسيء لذلك الملف كما لم يسيء له رئيس ديمقراطي طوال العقود الأربعين الأخيرة.

والقصة باختصار، أن أحد رموز اليمين العنصري كان قد عرض شريط فيديو لا يزيد عن ثلاث دقائق، تتحدث فيه شيرلي شيرود مديرة برامج التنمية الريفية التابعة لوزارة الزراعة. وما يوحي به الشريط، هو أن شيرود ذات الأصول الإفريقية، تعترف بأنها ميزت ضد مزارع أبيض لكونه أبيض، ورفضت أن تقدم له المساعدة وفق قواعد وظيفتها.

وبسرعة مذهلة كان الشريط على أغلب المواقع اليمينية، وتلقفته قناة فوكس نيوز اليمينية ذائعة الصيت، وراحت تنفخ في القصة وتكررها على مدار الساعة. وما هي إلا ساعات حتى كانت السيدة شيرود قد أجبرت على الاستقالة وطردت من منصبها.

لكن ما هي إلا ساعات أخرى، حتى انكشفت الحقيقة. فالشريط مفبرك، وهو مقتطع من سياق خطاب لشيرود مدته 43 دقيقة. ومن يشاهد الخطاب كله يدرك بوضوح أن شيرود كانت تقول العكس بالضبط، فهي كانت تدعو لتخطي العنصرية مهما كانت مرارتها. بل إن المزارع الأبيض الذي قيل إن شيرلي ميزت ضده، خرج عن صمته وشهد هو وزوجته بأنه لولا مساعدة شيرلي له لفقد مزرعته.

في مثل هذا السياق ماذا تتوقع، عزيزى القارئ، من أوباما، أول رئيس أسود لأميركا؟ قد تتوقع حين يصله خبر شريط الدقائق الثلاث، أن يرفض إقالة السيدة قبل التحقيق أولا. أو قد تتوقع بعد أن طردت من منصبها أن يأمر فورا بإعادتها.

أو ربما تتوقع أن يلقي خطابا للأمة يتحدث فيه عن المسألة العرقية، ويناقش خطورة ما جرى باعتباره جرس إنذار. أو ربما تتوقع من الرجل، كأضعف الإيمان، أن يتصل هو نفسه بالسيدة التي وقع عليها كل هذا الظلم وهي تخدم في إدارته.

أهم من ذلك كله، قد تتوقع أن يلفت اسم «شيرود» انتباه أوباما. فالسيدة شيرلي تحمل اسم زوجها الراحل شارلز شيرود، أحد أهم رموز حركة الحقوق المدنية في الستينات، وهو من الجناح الذي أصر على أن تضم الحركة البيض إلى جانب السود، بل ترك إحدى المنظمات حين قصرت عضويتها على السود.

باختصار؛ لك أن تتوقع أن يعرف أوباما شيئا عن رموز حركة الحقوق المدنية، والتاريخ المشرف لتلك السيدة التي استطاعت أن تتغلب على العنصرية في أعماقها، رغم أن أباها قتل على يد مزارع أبيض زمن العنصرية، ولم يتم حتى التحقيق في الجريمة.

عزيزى القارئ، يؤسفني أن أقول لك إن أيا من هذا لم يحدث من أوباما. فالبيت الأبيض وافق على طردها من منصبها فورا دون تحقيق، ثم زعم أن وزير الزراعة أخطره بإقالتها ولم يستشره(!!) بينما قالت شيرود إنها تلقت ثلاثة اتصالات رسمية، قيل لها فيها إن البيت الأبيض نفسه يطلب استقالتها.

وعندما ظهرت حقيقة الأمر، اعتذر المتحدث باسم البيت الأبيض لشيرود في مؤتمر صحفي. أما أوباما نفسه، فلا حس ولا خبر! لا مؤتمر صحفوُُِّّ://م-لُكَّ.نفٌُّّيْم.كٍُ/س/0.3.6؟كٌَُّكفٌم=مَ÷صسيا، ولا خطاب ولا اتصال بشيرود نفسها.

حتى المؤتمر الصحفي الذي عقده المتحدث باسمه، كان مليئا بالتلعثم كلما سئل عن موقف أوباما شخصيا. وكان تفسير المتحدث الرسمي لأسباب موقف البيت الأبيض، أسوأ من الموقف نفسه، لأنه كان دليلا على انحناء أوباما الكامل لليمين المتطرف. فهو قال إن السبب هو «الثقافة السائدة» (ويقصد طبعا التطرف اليميني الذي جعله على استعداد للتضحية ببريئة ليجنب نفسه هجوم اليمين) والوقع السريع للإعلام والحاجة لمواكبته.

وقد أدت الواقعة إلى تفاقم التوتر بين أوباما والنواب السود في الكونغرس، الذين انتقدوا الإدارة في بيان أصدروه، لكن الأهم هو رد فعل أوباما إزاء ما دعا له النواب في بيانهم. فهم دعوا إلى حوار وطني شامل حول المسألة العرقية، يناقش تلك القضية بجدية. وهو مطلب بسيط ومهم في آن معا، وسبق أن استجاب لمثله بيل كلينتون حين كان رئيسا. فماذا كان رد فعل أوباما؟ «سوف نبحث الأمر»، هكذا قال المتحدث باسمه!!

يقول البعض في الدفاع عن موقف أوباما البائس من الأقليات، وبالذات السود، إن الرجل أول رئيس أسود لأميركا، ولكنه رئيس لكل الأميركيين ولا يمكنه أن يبدو وكأنه رئيس للسود أو الأقليات فقط. والإجابة عندي أن مثل هذا المنطق ينطوي على تغليط لا علاقة له بالواقع.

صحيح أن أوباما رئيس لكل الأميركيين، ولكن الصحيح أيضا أنه رئيس ينتمي للحزب الديمقراطي، الحزب الذي عرف تقليديا منذ الستينات بالدفاع عن الأقليات وحماية الأقل حظا في المجتمع.

ومن ثم فالمتوقع من أوباما، ليس كأسود وإنما كديمقراطي، أن يتصرف كأي رئيس ديمقراطي آخر سبقه منذ عهد جونسون، خصوصا وأن آخر رئيس ديمقراطي سبقه كان رئيسا عشقه سود أميركا، ولا يزالون يحبونه حتى هذه اللحظة. فبيل كلينتون هو الرئيس الذي أطلقت عليه أديبة نوبل السوداء توني موريسون «أول رئيس أسود لأميركا».

لقد أثبتت هذه الواقعة أن كل ما قيل عند تولي أوباما، من أن أميركا تعيش زمن «ما بعد العرقية» وما بعد العنصرية، يدخل في باب الطرائف التي لا علاقة لها بالواقع الذي تعيشه الأقليات.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com