لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يضع فيها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي حفظه الله، النقاط المضيئة على حروف الالتزام الخلقي والمهني لأبناء الوطن، الرافعين لواء العمل لخدمة الإمارات وأهلها والمقيمين على أرضها.
فقبل ذلك ومعه، كان سموه النموذج الحي الذي تشرّب إخلاص العمل للجميع، وعشق العطاء من النفس والوقت والجهد، ليكون قدوة لمن أراد السير في طريق النهوض على خطا المخلصين المؤسسين الأوائل.
هي إذاً، فلسفة أرسى سموه قواعدها عملاً وسلوكاً، ووضع أطرها رؤية واستراتيجية، وعمل على إنجاحها حرصاً ومتابعة لكل شاردة وواردة تهم أمر المجتمع، وتعلي من شأن الخدمة العامة وثيقة الصلة بالناس وقضاياهم.
ولعل العمل الوظيفي من أبرز النوافذ التي تطل على شؤون الناس، وأكثر الأماكن حساسية لاقترابها من حاجات أبناء المجتمع وملامستها عن كثب، ثم لما تفرغه في نفس الحامل لمسؤوليتها من إحساس بأنه يملك نواصي الأمور، وأن بيده إنفاذ ضرورات الناس أو عرقلتها، نظراً لما أسند إليه من مهمة تتصل بالآخرين.
فقبل أيام، اعتمد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وثيقة مبادئ السلوك المهني وأخلاقيات الوظيفة العامة في الجهات الاتحادية، التي أتت كافية وافية تطوف حول التعريف بأهم قواعد السلوك المهني للعاملين في القطاع الحكومي الاتحادي.
في مسعى رائد لوضع منارات للعمل الوظيفي حتى تتضح آفاقه وترسم طرقه، على النحو الذي ينهض بمجتمعنا ويعكس الصورة الحقيقية لأبناء الوطن والعاملين على أرضه.
ولا شك في أن مثل هذه الوثيقة النبيلة تضع الموظفين، على شتى اختلاف مستوياتهم ومدى اتصالهم بقضايا المجتمع وحساسيتها، تضعهم جميعاً أمام مرآة المسؤولية لتظهر صورتهم نقية صافية في المجتمع، كما تضعهم أيضاً أمام الواجب الأخلاقي في حسن التعامل بروح الفريق، الراغب في تقديم أرفع صور الخدمة المجتمعية.
ولعل أبرز ما يلخص هذا المنطلق العظيم في التعاطي مع جوهر الخدمة المجتمعية، ما صدّرت به الوثيقة قائمة مناراتها، حين أكدت على حقيقة مهمة في أن خدمة الإمارات وشعبها عن طريق الوظيفة العامة، هي شرف وامتياز نعتز ونفخر به.
فبهذه الروح الفخورة بخدمة الآخرين المستشرفة لإبراز المكنون الأصيل لأبناء الإمارات، تتضح الصورة جلية، وتصبح بنود الوثيقة روحاً تسري في حياة الموظف لا يقوى على تجاوزها، بوازع أخلاقي بعيداً عن خوف الرقيب أو المحاسب أو المتابع.
فهي عند هذا الحد من التعامل والتعاطي، تصبح أقرب إلى أن تكون ثقافة جماهيرية عامة، تجعل من الوفاء لمتطلبات العمل الوظيفي بإخلاص، مدار الحياة على ضوء الرقيب الذاتي النقي.
وبمراجعة سريعة للقيم الأساسية التي اشتملت عليها الوثيقة، نجد أنها تدور في فلك الوازع الأخلاقي الداخلي، الذي يسعى إلى الارتقاء بالوظيفة، لا أن يجعل منها سلماً للارتقاء بالذات، ويعمل جاهداً على أن يعطي العمل من نفسه أكثر مما يحوز من مكاسب جراء الاتصال بالعمل، ويسعد بتذليل الصعاب أمام الناس أشد من سعادته بتذليل الآخرين على أبواب مكتبه ووظيفته.
إنها ثلاث عشرة قيمة إنسانية مهنية راقية، تتضافر من خيوط الامتياز والاجتهاد والكفاءة والريادة والتميز والتحلي بالصدق والأمانة والموضوعية والحيادية والتزام الاقتصاد والشفافية في التعامل، إضافة إلى النزاهة والعدالة والمساواة.
وإذا كانت هذه القيم وجدانية ذاتية في مجملها، فإن ثمارها تتعدى المحيط الشخصي لتنعكس بناءً ونهوضاً وحضارة على أرض الواقع، مع يقيننا أنها ستطرح أول ثمارها في النفس الإنسانية الكاملة في طمأنينة الأداء المتميز المعطاء.
وعلى الجانب المقابل، لم تكن الوثيقة لترى الأمور بعين واحدة، فليس الموظف هو محور العملية الإنمائية فقط، بل لا بد له من عين تحسن قراءة مجهوده البناء، وتمنح من محفزات الإبداع والإخلاص والجهد الوظيفي الرائد ما يعزز من بيئة العمل، وهذا من واجب الجهات الحكومية على اختلاف درجات مسؤولياتها.
فالموظف الذي يجد أن إخلاصه والتزامه بمواثيق الشرف المهني والعطاء والمثابرة يكافأ بالثناء والمباركة والتقدير، سيحرص على بذل المزيد من التفاني والإبداع لتكون هذه المعاملة محرضاً مستمراً على متابعة خطا الالتزام المهني، وسيكون مبادراً إلى الارتقاء بالجانب الوظيفي، على النحو الذي يعكس الصورة المرجوة للإمارات وأهل الإمارات.
هي إذاً، معادلة دقيقة، أحد أقطابها الموظف بدوافعه الذاتية والارتقاء بها إلى أعلى درجات العطاء، والقطب الآخر في التقدير الوظيفي وإيجاد بيئة عمل تحفز على الإبداع، وبيئتها التي تنمو فيها تتمثل في مساعدة المجتمع للموظف على الاستجابة لمعاييره الأخلاقية، بما يخدم العملية التنموية كاملة.
مديرة تحرير مجلة «بنت الخليج»
nooraalswidi@yahoo.com