المناورات العسكرية التي أجرتها الصين منذ أيام قبالة سواحلها الشرقية على البحر الأصفر، تعكس لدى بكين إحساساً بالقلق والخوف من التحركات العسكرية الأميركية في المنطقة المجاورة لها، وأكثر ما يقلق الصين أن واشنطن لا تعير أهمية كبيرة للقوة العسكرية الصينية رغم ضخامتها عدداً وعتاداً.

وقد تعمدت الصين إجراء هذه المناورات في هذه المنطقة، قبل المناورات العسكرية التي أجرتها معاً كل من الولايات المتحدة الأميركية وكوريا الجنوبية، والتي كانت الصين قد انتقدتها مسبقاً.

وعلى ما يبدو فإن واشنطن استشعرت قلق بكين فأرادت طمأنتها بعض الشيء، حيث صرح وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس، بأن التدريبات العسكرية (تم إجراؤها من 25 وحتى 28 يوليو) في بحر اليابان، بين سيئول وواشنطن.

تهدف إلى توجيه رسالة قوية إلى بيونغ يانغ المتهمة بإغراق سفينة كورية جنوبية، مشيراً إلى أن المشكلة الكورية الشمالية قد تدوم طويلاً، وأكد غيتس ان المناورات العسكرية الاميركية الكورية الجنوبية، ليست استفزازية للصين بأي شكل، وأن التمارين «ستجرى قبالة السواحل الكورية وليست الصينية»، موضحاً أن تمارين من هذا النوع تجرى منذ عقود.

أياً كان الأمر، فإن الصين لا تخفي قلقها من توتر الأوضاع وتصعيدها مع كوريا الشمالية، وتستشعر أنها مستهدفة بطريق غير مباشر، حيث إنه من المفترض أن الصين هي الحليف الاستراتيجي الأول لكوريا الشمالية.

ولكن يبدو أن الأمر في حد ذاته هو اختبار متعمد من واشنطن للصين نفسها، حيث تريد واشنطن أن تعرف إلى أي مدى يمكن أن تتحمل بكين هذا الأمر، وهل ستجرؤ على التدخل لحماية حليفتها كوريا الشمالية أم أنها ستراجع نفسها تتردد قبل الإقدام على هذه الخطوة؟

هذا الاختبار يكشف عن عقدة نفسية ومعضلة كبيرة لدى العملاق الصيني الشيوعي، الذي دخل مع الغرب والولايات المتحدة في معادلة احتواء اقتصادي منذ منتصف السبعينات، وفق خطة وضعها الخبير الاستراتيجي الأميركي هنري كيسنجر لاحتواء هذا العملاق، بفتح الأسواق الغربية لمنتجاته الضخمة حتى يرتبط في اقتصاده المتنامي باطراد مع السوق الغربية، وبالتالي لا يفكر مستقبلاً في الدخول في أية مواجهة عسكرية مع الغرب والولايات المتحدة.

وفي زيارته الأخيرة للصين عام 2008، ألقى كيسنجر محاضرة في الأكاديمية الصينية للعلوم في شنغهاي، تحدث فيها عن الصين كعملاق كبير ينمو بسرعة، وركز في حديثه على النمو الاقتصادي المتسارع للصين وتواجدها الحيوي في الأسواق العالمية، كما ركز على مسألة حاجة الصين للطاقة، مشيراً إلى عدم فائدة دخولها في صراع مع الولايات المتحدة، بل لا بد من التعاون بينهما.

الواقع أن الصين حققت نمواً اقتصادياً كبيراً قياساً لوضعها الإيديولوجي كدولة شيوعية، ولكن هل حققت نفس التقدم على الجانب السياسي بالمستوى الذي يمكننا من أن نطلق عليها وصف «القوة العظمى» المقبلة؟

القوة الاقتصادية بالقطع مطلوبة وأساسية، لكنها ليست العنصر الأساسي والرئيس في تكوين الدولة العظمى، ولا تمنح القوة الاقتصادية بمفردها الدولة المكانة السياسية الكبيرة على الساحة الدولية، وإلا لكانت اليابان هي القوة العظمى المنافسة، باعتبارها كانت صاحبة ثاني أقوى اقتصاد في العالم، ولما كان للاتحاد السوفييتي ليحتل مكانة القوة العظمى الثانية في العالم طيلة نصف قرن من الزمان، كان يعاني فيها من مشاكل وأزمات اقتصادية حادة.

لقد أصبحت التنمية الاقتصادية الكبيرة في الصين حجر عثرة دون تحقيقها للمكانة السياسية التي ربما تطمح لها، أو على الأقل التي يتصورها البعض ويتوقعها لها، حيث إن هذه التنمية تحتاج إلى المزيد من الإمدادات من التقنيات المتطورة والمصادر الطبيعية والمواد الخام ومصادر الطاقة من النفط والغاز وغيرها.

وهذه نقطة الضعف القوية التي لمستها الصين في العامين الماضيين مع الارتفاع الحاد في أسعار النفط، الأمر الذي بات يهدد العملاق الصيني اقتصادياً ويعرقل عجلة التنمية بشكل كبير، كما أن الأسواق المفتوحة في الغرب أصبحت ورقة ضغط كبيرة على الصين في تحركها السياسي على الساحة الدولية، بحيث أصبح أي تضييق في هذه الأسواق يشكل عبئا كبيرا على الصين دولة وشعباً.

الصين لا شك عملاق اقتصادي كبير، لكنه عملاق مكبل بأغلال كثيرة تعيق حصوله على لقب «الدولة العظمى»، هذا اللقب الذي ثبت أن القوة الاقتصادية لا تكفي وحدها للحصول عليه.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.ru