حينما يكلل بالنجاح جهد أية منظمة دولية عاملة بجد من أجل التخفيف من أهوال الحروب ومآسيها خاصة ضحاياها من الأطفال والنساء والشيوخ وكل المدنيين المسالمين ، فإن النفس البشرية المسالمة تشعر بالارتياح لأن هناك من يفكر في سلامتها إلى حد إطلاق معاهدة لتحريم سلاح فتاك مثل القنابل الانشطارية.
ولابد أن نثمن جهود اللجنة الدولية للصليب الأحمر على جهودها لوضع اتفاقية حظر استخدام وانتاج وتخزين ونقل هذا النوع المحرم من الأسلحة موضع التنفيذ ولكن لاستكمال الصورة العامة للمعاهدة وغيرها من معاهدات دولية لابد من الإشارة إلى جملة ملاحظات أو لنقل ثغرات في آلية عمل المعاهدة وهذه الثغرات تثبت أن السياسة الدولية تكيل بمكيالين وأن التفاؤل بالمعاهدة ودخولها حيز التنفيذ ربما يكون أكبر مما ينبغي بالنظر إلى النقاط الآتية :
أولا : إن الذين لم يوقعوا هم من يملكون مصانع ووسائل نقل وتخزين هذه الأسلحة المدمرة وعلى رأسهم الولايات المتحدة وروسيا والصين وإسرائيل ، أما الدول الموقعة على المعاهدة وعددها 107 دول فمن بينها من لا يعرف شكل هذه القنبلة أصلا ناهيك عن أن يفكر في حيازتها وهنا تكمن المفارقة فمن لم يوقع احتفظ لنفسه بحق استخدام هذا السلاح.
ثانيا : إن هذا السلاح دفاعي أكثر منه هجوميا وهل يشكل أداة ردع للدول الصغيرة ضد أي عدوان بري أو بحري على ترابها الوطني وهذا العوار في آلية التوقيع يجعل من يوقع على الشرعية الدولية تحت رحمة من لم يوقع بل إن هناك من يوقع على المعاهدة ويخرقها حينما يشاء بتفسيرات واعتبارات مستحدثة تخدم مصالحه ويعززها بقرارات من مجلس الأمن تحت البند السابع .
فدول حلف الناتو التي لها جيوش في أفغانستان أباحت لقواتها استخدام القنابل الانشطارية ضد الأفغان ، بينما أفغانستان هي ضمن من هم على استعداد للتوقيع على مثل هذه الاتفاقية كونها دولة ضعيفة ومستباحة.
ثالثا : إن الدول الموصوفة بالعدوانية والاستخفاف بالقيم الانسانية مثل اسرائيل لن يقف في طريقها معاهدة كهذه وهي على استعداد لاستخدامها في أي وقت وقد استخدمتها اسرائيل في مواطن كثيرة خاصة في لبنان ، وأما الولايات المتحدة فاستخدمتها في فيتنام ولاوس واليمن وغيرها ، وربما لا يعرف العالم الأماكن التي استخدمت فيها حتى الآن لقلة الشفافية في نقل المعلومات العسكرية والاستخباراتية بين بلدان المنظومة الدولية
بل إن اسرائيل استخدمت ما هو أسوأ من الانشطارية المعروفة وهي القنبلة الفسفورية في غزة ومرت الجريمة بسلام على اسرائيل والمنظومة الدولية كلها حيث لم تتم إدانة أفعال اسرائيل في الأمم المتحدة بشكل عملي وحقيقي بل كلها استنكارات لفظية لذر الرماد في العيون .
رابعا : وهو الأسوأ أن معظم الدول التي لم توقع على اتقافية تحريم القنابل الانشطارية تمتلك مخزونات من قنابل نووية وكيماوية وبيولوجية وثمة أسماء لأسلحة مجهولة لم تستخدم بعد وهي قوة ردع هائلة ومع ذلك لا تسعى جهة في منظمة دولية أو غير دولية لإدانة الاحتفاظ بهذه الأسلحة رغم كل ما قيل عن معاهدة ستارت .
إن الخطر الحقيقي على العالم يكمن في انشطار الموازين والمكاييل الدولية والضمير السياسي قبل أن يكمن في انشطار قنبلة الى عدة قنابل.
إن الاسلحة مجرد وسائل للدمار ولكن لنفتش عن (الفاعل) وليس الوسائل.
