لدينا متطرفون من كل التنظيمات، والوسطية هي مجرد شعار لأن أعضاءها أقلية يتنازعهم تجاذب الأطراف الأخرى من راديكاليين، وليبراليين، وفي حوض هؤلاء وأولئك كلّ يتحدث عن هوية محلية، أو عربية وإسلامية، بينما ينطلق آخرون نحو العالمية باعتبار متعاطي الحواسيب وما تحتويه مواطناً غير مقيّد بجغرافيا، أو جنس ولون، وطبيعي بالنسبة للحالة العربية ضياع الاتجاه، لأن الشعور بالدونية والهزيمة، وعدم الثقة بالذات، ولّد حالات الانقسام بين كلّ من يدّعي أنه على حق..
فالإسلامي يريد أن نعود إلى عصر الخلافة، بينما تختلف الأزمنة، والظروف وحتى الرجال وصدق العقيدة، طالما كلّ ينظر للدين الإسلامي من زاوية تختلف عن الآخر..
والقومي لازال يعيش حلم الوحدة العربية، لكن الأحزاب والمنظمات السابقة أنكرت على بعض القوميات حقوقها، وتراثها، فقد غرقت في لّجة الأماني، وهي صيغة لمشروع سيطرت عليه العاطفة أكثر من العقل لأن من قادوا شعارات الوحدة، كانوا أكثر دكتاتورية وهيمنة من غيرهم على بلدانهم، وأكثر إقليمية من كل من حلم بتلك الوحدة..
الخياليون من الأمميين، عقدوا اتفاقاً مع ماركس ولينين، بأن العالم سيتوحد في دولة كونية يقودها العمال والفقراء، ولا أدري كيف سيتأهل هؤلاء ليقودوا كوكب الأرض وهم الأكثر أمية في شعوبهم، وأقل تعليماً، لكنها الأيدلوجيا التي طالما داعبت العقول وغسلت الأدمغة، وإلا فمن يصدق أن مَن هم في السلّم الأدنى سيؤسسون دولاً وأحزاباً ويقودون تنمية كونية عظمى؟!
الانقسامات في المنطقة ليست حديثة عهد، بل حدثت أثناء حرب فلسطين، وما بعدها عندما تحول الانتماء إلى اليمين واليسار ، وأخذ طابعاً عاماً للتصنيف، ولعل التخلف الراهن هو حصيلة تلك المرحلة وسوابقها، أي أن التحوّل من الحلم إلى تصديقه والركض خلفه، هو الذي ورّث التطرف بعناصره الإسلامية والمضادة لها، بمعنى أن أسرى الشرق والغرب تحولوا لأسرى بمن يملك الحقيقة بين الإسلاميين والليبراليين، عندما يضيع صاحب الوسطية بين التعريفات والشحنات العاطفية..
حالنا اليوم تكشف عن أننا في موقف حصار من الداخل نتيجة الطغيان والتخلف ونزع الثقة بين السلطة والمواطن ، وبين متاريس إقليمية تحيط بنا، تبني وتتقدم، وتشعر أننا تركة الرجل المعاق، وهنا لابد من تفسير واقعي للتدهور العربي..
فالأزمة، هي أزمة أنظمة، بعضها عسكرَ شعبه إلى حد تفريغ خزائنه وتأمين المتطلبات الضرورية من سكن ووظيفة وتطبيب، وبعضها تلاعب بالمداخيل وحوّلها وجاهة لطبقة معينة تحتكر كل شيء، وهنا حدثت اللعبة، فلا الشعب انتصر على واقعه وسيّرت قوافله للتنمية، ولا السلطات سمحت بذلك، فصرنا نعوم، ولكن بلا مجداف أو بوصلة..
