أصيلة مدينة مغربية جميلة، تزدهر وتتألق في فصل الصيف بموسمها الثقافي الذي يستمر طوال شهر، بمهرجاناته وندواته وأمسياته وعروضه، فضلاً عن ملتقياته العربية والدولية.

وهكذا يجتمع في كل موسم حشد من الشخصيات والفاعلين في كل مجال، من وزراء وساسة ودبلوماسيين وأدباء وفنانين ومفكرين وإعلاميين وناشطين، كي ينخرطوا في فاعلياته المختلفة ويتداولوا حول القضايا الراهنة، كالعولمة والتنمية والطاقة المتجددة والحوار بين الثقافات والعلاقات بين الدول، كما جرى في هذا العام.

ومن مزايا الموسم أنه يستضيف كل سنة إحدى الدول. وكانت الإمارات العربية المتحدة هي ضيف الشرف هذه الدورة ذات الرقم 32. فشاركت في غير فعالية، منها معارض للكتاب والخطّ والفنّ التشكيلي، وعروض فنية راقصة ذات طابع شعبي فولكلوري.

وقد تمثلت الإمارات بشخص وزير الثقافة عبد الرحمن العويس. وأصيلة كانت في الأصل مدينة صغيرة، بُنيت على الطراز البرتغالي. ولكن محمد بن عيسى الذي كان وزيراً للثقافة ثم للخارجية في المغرب، تعامل مع أصيلة بعين فنان، فرأى إليها كأثر معماري جميل، وكانت الثمرة أن حوّلها بخياله الخلاّق إلى فضاء ثقافي تنويري وإلى مكان للتبادل الحضاري، بقدر ما جعل منها معلماً سياحياً من الدرجة الأولى.

بذلك شكّل موسم أصيلة تجربة رائدة ونموذجاً ناجحاً للاستثمار في الحقل الثقافي. مناسبة الكلام أنني دُعيت إلى موسم أصيلة للمشاركة في فعاليات الندوة الفكرية، وكان عنوانها «حوار الثقافات العربية: الواقع والتطلعات».

وكانت كلمتي بالتحديد، حول المحور الثالث: الثقافات العربية في مواجهة العولمة. غير أنني لن أتحدث عن مداخلتي التي كانت بعنوان: مواجهة العولمة أم المشاركة في صناعة الحضارة؟ بل أتوقف عند العنوان الرئيسي للندوة الذي كان مثار إشكال أو استفزاز، إذ لأول مرة، على ما أعتقد، تُستخدم الثقافة العربية بصيغة الجمع.

فالسائد حتى الآن، هو الكلام على ثقافة عربية واحدة، هي في نظر الكثيرين المقوم الأساسي في وحدة العرب والعامل الأبرز في نهوضهم وقوتهم، بل الحصن الأخير في مواجهة التحديات والضغوطات. لا شكّ أن الأطروحة التعددية تصدم أصحاب العقيدة القومية والفكرة العروبية، ولكن الواقع يصدم أيضاً بعد انهيار المشاريع والدعوات، وكما يشهد التمزق الذي يعاني منه العالم العربي.

فالأجدى كسر المنطق السائد، لفتح الثقافة على ما تنسج منه من الاختلاف والتعدّد والتعارض؛ أي على ما يجري حجبه من جانب ذوي العقل الأحادي والنظام الشمولي، من الثقافات الفرعية أو الهامشية أو التحتية أو غير الرسمية، المختصة بلغة أو لهجة أو عرق أو جنس أو قطاع أو طائفة أو شريحة أو أقلية... لأن ما يجري حجبه أو طمسه يفعل فعله بصورة سيئة، إذ هو يلغم المشاريع الحضارية المتعلقة بالإصلاح والتحديث والإنماء.

أياً يكن، فإن الأطروحة التعددية تحملنا على إعادة النظر في المسألة الثقافية، في عصر تزداد فيه مساحات التبادل بين الشعوب، بقدر ما تتعاظم حركة الهجرة والانتقال من مجتمع الى آخر، الأمر الذي يعني أن الكلام على مجتمع متجانس أو هوية صافية، أصبح خادعاً ولا مصداقية له. من هنا نشهد اليوم ولادة هويات تمارس بصورة هجينة، عالمية، خارقة لحواجز اللغات والثقافات.

هذا ما يقودني إلى الحديث عن مدينة طنجة التي انتقلت إليها، بعد الفراغ من ندوة أصيلة، للمشاركة في ندوة أخرى عقدت في إطار المهرجان المتوسطي للثقافة الأمازيغية، بعنوان «هويتنا أرضنا». وكانت الندوة مناسبة لكي أعرف ما لم أكن أعرفه عن الخصوصية الأمازيغية، لغةً وثقافة وجماعة.

ومع احترامي للخصوصية الأمازيغية، وأملي أن تمارس بصورة حيّة، خلاّقة وبنّاءة، في الإطار المغربي الجامع، فأنا ذهبت في الاتجاه المعاكس لعنوان الندوة، لأنني أعتبر أننا أصبحنا في عصر ولادة هويات هجينة، مركبة، عابرة لحدود المجتمعات والقارات.

من هنا فإن الفكرة الرئيسية التي وقفت وراء محاضرتي، هي أن الهوية باتت تجارة خاسرة، إذ هي تسبب المشاكل والمآزق لأصحابها، على ما تمارس الخصوصيات الثقافية والمجتمعية، من جانب ذوي العقل الأصولي والاصطفائي أو الإمبريالي والشمولي، ممن يتعاملون مع هوياتهم كأصل صافٍ أو ماهية ثابتة أو خانة نهائية أو قوقعة مقفلة أو محكمة للإدانة..

في أي حال، نحن نتجاوز الآن سؤال الهوية، كما تجاوزنا سؤال الماهية. لم يعد السؤال ما هو؟ أو من نحن؟ على ما يقول الفيلسوف الفرنسي باتريس منغِلييه. السؤال الآن هو سؤال «الأين»، أي هو سؤال الإقامة بحسب صياغتي له: أين نحن؟ في أي فضاء نتحرّك؟ ما هو موقعنا على الخارطة أو وسط المشهد؟ ماذا نبني أو ننجز أياً كان مكان الإقامة؟

إن مفهوم «الإقامة» هو الأنسب والأصلح لفهم علاقة الإنسان بالأرض والوطن والهوية، فمفهوم الأرض كان مركزياً في العصر الزراعي، ومفهوم الوطن كان مركزياً في العصر الصناعي، عصر الأمة/ الدولة. في هذا العصر الإلكتروني حيث نندرج في واقع كوني فائق، فقد المكان حصانته وأصبح متحركاً ومفتوحاً.

ولذا فالكل هم مقيمون، بقدر ما هم رحّالة، مهاجرون، عابرون، سواء بالمعنى المادي أو الرمزي. هناك أُناس اليوم، كتّاب ورجال أعمال وذوو مهن أخرى، الثابت الوحيد عندهم هو حواسيبهم التي ينتقلون بها من مكان الى آخر. نحن إزاء تجارب ونماذج سوف ترسم مستقبل البشرية، كما أرجح، وليس الأوطان المسيجة ولا العقائد الاصطفائية، ليس الهويات الصافية ولا المجتمعات المغلقة.

كاتب ومفكر لبناني

harb@cyberia.net.lb