لن نعيد طرح السؤال المشرع حول الأسباب الكامنة وراء جدية ودأب لجنة المتابعة العربية، في مساعيها المعلنة الرامية إلى مؤازرة الشعب الفلسطيني وإيجاد مخارج أو ثغرات تمكن من اختراق الحائط المسدود الذي باتت تقف أمامه مبادرة السلام العربية، نتيجة التعنت الصهيوني المعهود في رفض أي حل عادل للقضية الفلسطينية، حتى لو كان في إطار الحدود الدنيا، وحتى لو استبعدت قضية ستة ملايين لاجئ فلسطيني منه.
انقسمت الساحة إلى ساحات وهذه إلى ساحات أصغر، فالبعض بات ينزع إلى تناسي الاحتلال الصهيوني ـ الغربي لفلسطين، وما جلبه من معاناة على الشعب الفلسطيني وعدد من شعوب دول الجوار العربية، والبعض يحاول تعليق معاناة الفلسطينيين على شماعة أدوات وعوامل فلسطينية في المقام الأول، وعلى رأسها حالة الانقسام الفلسطيني الحادة.
بينما يحاول بعض آخر الترويج لفكرة أن العرب بقرارهم الأخير إيداع مسألة العودة إلى المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني، بين أيدي سلطة رام الله، إنما يعبرون بذلك عن مللهم ويأسهم من هذه القضية الشائكة، ومحاولة منهم لرمي الجمل بما حمل في ملعب الشعب الفلسطيني، وتحميله أعباء إضافية تضاف إلى الوفير مما لديه منها.
لكن الواقع السياسي الذي، بشفافيته الخارقة يخترق عين الشمس، يشي بأن كافة هذه الطروحات ومثيلاتها، تتجاهل عن عمد أو في غفلة من أصحابها، أن حالة الانقسام الفلسطيني ـ الفلسطيني ليست مرتبطة بقرار فصيلين فلسطينيين مهما ارتفع شأنهما وعظم انتشارهما وتأثيرهما، بل إن القضية الفلسطينية برمتها مرتبطة بامتدادات عربية وإقليمية وعالمية موضوعية.
ارتبط وجودها وفعاليتها وبقاؤها على قيد الحياة وبشكل وثيق، بعوامل انتهاء القضية اليهودية في القارة العجوز، واستبدالها بالقضية الفلسطينية في ما يعرف بمنطقة الشرق الأوسط، بحالته القديمة المحققة وحالته الجديدة التي تسعى القوى الاستعمارية ذاتها إلى فرضها على المنطقة، بصفته مصطلحاً معتمداً يقوم على دمج الكيان الصهيوني بالنسيج الجيوسياسي للعالم العربي.
لطالما كانت خيوط قضية الشعب الفلسطيني متشابكة ومتداخلة، ليس مع الأقطار العربية الأخرى وبشكل طبيعي فحسب، وإنما أيضاً مع الأطراف المشكلة للنظام الرسمي العربي وغير الرسمي، وذلك ليس من الناحية المبدئية أو على قاعدة أن القضية الفلسطينية هي قضية العرب المركزية فحسب.
وإنما على قاعدة الفائدة والمنفعة وانطلاقاً من مبدأ البراغماتية، حيث دأب بعض الأنظمة العربية على اللعب بالورقة الفلسطينية، بكل الوسائل المتخيلة وغير المتخيلة، بما في ذلك التأسيس لفصائل عربية فلسطينية في كنف منظمة التحرير الفلسطينية.
من جانبنا، لا نعتقد بصحة تداخل البعد الفلسطيني والعربي للقضية الفلسطينية فحسب، بل إننا نؤمن بوحدة كل هذه العناصر في قضية واحدة، وهذا هو جذر القضية أصلاً، لكننا نعتقد أيضاً أنه أحد لا يستطيع بجرة قلم أن يغير واقعاً سياسياً ممتداً منذ أكثر من قرن من الزمن، عندما لم يكن هناك لا أقطار ولا دول ولا دويلات ولا كيانات عربية منفصلة.
ما سبق يحول، بالطبع، دون السؤال عن حقيقة الرسالة التي وجهها أوباما إلى سلطة رام الله، وعما إذا كانت ذات طابع تهديدي أم تأكيدي أم تطميني! فهذه أسئلة لا طائل منها، لأن عملية التسوية برمتها لا تسعى إلى إيجاد حل، وإنما إلى إدارة الصراع وإدامته، فالمشروع الصهيوني الغربي الاستعماري، لا يمكن أن يتراجع قيد أنملة بعد أن بلغ أشده.
bassil@albayan.ae