لم يكن التفجير الانتحاري الذي استهدف مكتب قناة «العربية» في بغداد هو الأول ولن يكون الأخير، وإذا استعرضنا تاريخ الاعتداءات على المكتب منذ افتتاحه في سبتمبر عام 2003 وحتى الآن، سنجد أنه تعرض لاعتداءات كثيرة، ولم ينج طاقم مكتب القناة من الاختطاف والقتل، مثلما حدث للمذيعة أطوار بهجت وزميليها المصور عدنان عبدالله ومهندس الصوت خالد محسن الذين اختُطِفوا في 22 فبراير عام 2006.
عندما كانوا متوجهين إلى سامراء لتغطية أحداث تفجير مرقد الإمام علي الهادي، وعثر عليهم في اليوم التالي مقتولين، ومثلما حدث لمراسل القناة جواد كاظم الذي قاوم خاطفيه بعد أن اقتادوه من المطعم حيث كان يتناول طعام الغداء.
ورفض دخول السيارة التي كانت معدة لاختطافه، فأطلقوا عليه الرصاص في مواضع قاتلة من جسمه، لكنه نجا من الموت ليعيش على كرسي متحرك شاهداً حياً على المواجهة المستمرة بين الرصاصة والكلمة.
هذه الصورة من المواجهة بين أصحاب منطق الكلمة وأصحاب منطق القوة، هي أكثر الصور دموية في عالمنا الذي يشهد كل يوم تصعيداً للصراع بين حملة الفكر والقلم والتنوير، وحملة المدافع الرشاشة والخناجر والسيوف التي يجزون بها رقاب أصحاب الكلمة الباحثين عن الحقيقة، المطارَدين من قبل أولئك الذين يفجرون أنفسهم بالأحزمة الناسفة أو داخل السيارات المفخخة.
هل ثمة نهاية قريبة تلوح في الأفق لهذا الصراع غير المتكافئ مادياً، بين من يحمل قلماً أو مايكروفوناً أو كاميرا، ومن يحمل سلاحاً يقتل به باحثاً عن الحقيقة لا يملك سوى قلمه أو مايكروفونه أو كاميراته ليطفئ لهفة انتظار أولئك الذين يترقبون ما سيكتب أو يقول أو ينقل لهم من صور؟
ربما تبدو الإجابة في الظرف الذي نطرح فيه السؤال محبطة إلى حد كبير، خاصة ونحن نرى أشلاء العاملين في مكاتب وسائل الإعلام التي تغطي أحداث المناطق الساخنة من العالم، وهي تتطاير في الهواء قبل أن تستقر على جدران تلك المكاتب أو فوق شوارع الإسفلت التي يجرون عليها في لهاث متواصل.
وهم لا يعرفون إن كانت نهايتهم ستكتب على يد متطرف لا يرى أبعد مما هو تحت قدميه، أو نيران تنطلق عشوائياً فلا تفرق بين عدو وصديق وباحث عن خبر قد يصبح هو نفسه الخبر.
إن من يقرأ تقارير المنظمات الدولية المهتمة بشأن حريات الصحافيين والعاملين في أجهزة الإعلام المختلفة، مثل «مراسلون بلا حدود» و«هيومان رايتس ووتش»، يصدمه حجم الممارسات القمعية والعدوانية التي ترتكب في حق أصحاب الكلمة المقروءة والمنطوقة والصورة الناطقة.
في كل بقاع العالم دون استثناء تقريباً، اللهم إلا تلك الفوارق بين منطقة وأخرى من حيث الكم والنوع، حيث يحدد مدى الاستقرار السياسي والأمني اللذين يتمتع بهما البلد أو المنطقة، نسبة التعسف والعنف اللذين يعامل بهما أصحاب الكلمة والرأي.
ويبقى الصدام قائماً بين أصحاب المعسكرين حتى في أكثر الدول تقدماً ورُقياً وديمقراطية، إذ تتساوى الضغوط السياسية والمادية التي تمارسها الدول المتقدمة على أصحاب الكلمة، مع الممارسات التي تقوم بها الجماعات الإرهابية والمتطرفة لخنق الكلمة وإسكات صوت القلم والمايكروفون وكسر عدسة الكاميرا، كي لا تصل الحقيقة إلى الناس كاملة.
الفرق الوحيد بين دول العالم الأول ودول العوالم الأخرى، أن هناك من يطالب بحقوق مواطني الأولى، مثلما طلبت محكمة إسبانية عليا الأسبوع الماضي إلقاء القبض على ثلاثة جنود أميركيين وتسليمهم، بتهمة قتل مصور تلفزيوني إسباني عام 2003 خلال حرب العراق، بينما تضيع دماء مواطني دول العوالم الأخرى وتتفرق بين القبائل، كما حدث مع موظفي مكتب «العربية» ومراسليها في بغداد.
إلى أي مدى نحن موعودون بزمن لا يعود فيه للقوة سيطرة ولا عدوان على الكلمة؟ هذا سؤال تبدو الإجابة عليه أصعب مما نتصور، طالما بقي للرصاص صوت يدوي، حاصداً أرواح العاملين في وسائل الإعلام، كاسراً أقلامهم.
محطماً الأدوات التي ينقلون من خلالها الصورة كما هي دون زيف أو حذف أو إضافة، وطالما بقيت الضغوط قائمة على أصحاب الفكر والرأي الحر، الذين يرفضون المساومات وأنصاف الحلول.
ليس هذا نعياً للكلمة الحرة قدر ما هو رؤية واقعية للمشهد الذي يحمل كل يوم المزيد من الدماء والضحايا، دون أن يلوح لنا ضوء في نهاية النفق الذي يضيق كلما أوغلنا فيه، حاملين شموعنا التي تنطفئ واحدة بعد الأخرى، كلما فقدنا واحداً من العاملين في «مهنة الموت» التي كان يطلق عليها «مهنة المتاعب».
قبل أن ينبري لنا هؤلاء الذين لا يعرفون للحوار وسيلة سوى الرصاص والقنابل والأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة التي مدادها الدم لا الحبر، وساحتها الظلام لا النور، وغايتها القتل لا العقل، أما عن السجون والمعتقلات فحدث ولا حرج، لكن الحديث عنها يحتاج إلى مساحة أكبر.
رغم كل الثورة التكنولوجية التي شهدها العالم خلال العقدين الأخيرين من عمر البشرية، ورغم كل الانفتاح الذي نعيشه اليوم، فإن ثمة مناطق، ليست على خريطة الكرة الأرضية وإنما في عقول البعض، ما زالت تعيش في ظلام دامس، تفكر في اتجاه واحد.
وتنظر من خلال زاوية ضيقة، لا تعرف للحوار سوى منطق واحد هو القتل، تلك هي التي تهدد مستقبل العيش في عالم يضمن للإنسان أن يقول كلمته دون خوف من رصاصة لا تعرف للحوار منطقاً سوى القوة، أو وجل من كلمة حق لا يعلم إلا الله عواقب خروجها من فم صاحبها.
كاتب إماراتي
aliobaid4000@yahoo.com
