اللافت أن جولة الملك عبدالله اتسمت بحركية متسارعة غير شائعة عربيا، إذ تحررت من تقاليد بروتوكولية مطولة، متخذة طابعا براغماتيا فعالاً يتمثل في: فعل كثير في وقت قصير.

هذه النقطة تبلورت - تحديدا - في قمة بيروت، إذ إن زيارةً لم تتجاوز بضع ساعات أعادت إلى هذا البلد "القلِق"، حالة توازن وعلامات استقرار، وجمعت الأطراف كافة، نابذة عوامل الفرقة.

التوافق السعودي السوري في مسألة الحرص على استقرار لبنان وتجنيبه فتنة داخلية، يعني أن هناك حقبة سياسية جديدة دُشنت، وأن زمن الخلافات انتهى، ولا يجب أن تشرعَن تلك التجاذبات الداخلية على حساب استقرار لبنان وأمنه، بما يواجهه والمنطقة ككل من تحديات، وخلق فرصة لإسرائيل أو غيرها لتكرار سيناريو حرب تموز 2006، أو الفتنة الداخلية والأزمة السياسية والمواجهات التي حدثت في أيار 2008، والتي وضعت البلاد على حافة حرب أهلية جديدة، قتل خلالها العشرات.

قد تتذرع أطراف في لبنان بمسألة القرار الظني للمحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وأن زيارة الملك عبدالله والرئيس الأسد لم تحسم هذه المسألة، إن تم توجيه تهم مباشرة إلى عناصر من حزب الله بالتورط في جريمة الاغتيال.

ومع أن هذا الأمر لا يستدعي توضيحا لبدهية واحدة وهي أن موضوع المحكمة الدولية لم يعد شأنا لبنانيا داخليا، وإن أبدى "حزب الله" ذلك، بل هو حق دولي فرضه واقع إنشاء المحكمة وقيامها، وخط سير التحقيقات التي تبعت جريمة الاغتيال.

ومن المعيب أن تعلق أطراف لبنانية استقرار البلد على أمر لم تتضح نتائجه بعد، وإن فعلا تم توجيه التهمة لعناصر من "حزب الله" فما شأن بلد كامل واستقراره وأمنه بتهمة صادرة عن محكمة دولية يفترض فيها إحقاق العدالة بحق من ارتكبوا تلك الجريمة البشعة، أيا كانوا، وأيا كانت طائفتهم أو حزبهم؟

إن تعليق مستقبل استقرار لبنان وأمنه على مسألة توجيه تهم من قبل المحكمة لعناصر من "حزب الله"، أو أي عامل مزعوم آخر سيؤدي إلى إخلال بالاستقرار اللبناني، وعلى جميع الأطراف اللبنانية اليوم أن تعي أن في ذلك رسالة واضحة ضد استقرار بلدهم، ومن أراد مصلحة البلد فعليه أن يبحث عن دعائم الاتفاق والتكامل، لا مسببات الانشقاق والاستهداف.

قراءة سياسية واحدة لمحاولات التشكيك تلك في جدوى زيارة الزعيمين الكبيرين، وهي أن فاقد الشيء لا يعطيه، وما تلك المحاولات إلا كحرث في البحر على حساب استقرار البلد الذي يدعون الانتساب إليه.

فالحريصون فعلاً على أمن لبنان واستقراره من أبنائه قالوا كلمتهم في أعقاب الزيارة، على لسان رئيس الحكومة سعد الحريري في "أن لبنان تخطى مرحلة الخطر ودُرئت الفتنة والتوجه الآن هو لإيجاد مشروع توافق على قاعدة التفاهم بين أطراف القمة يقضي بأن تسير العدالة سوية مع الوحدة الداخلية".